وإذا تردد حكم المسألة بين الحظر والإباحة خرجت من ولايته، ولا يكون له دخل في إنكارها وعليه أن يترك نظرها لأهل الاختصاص فيها [1] .
وبهذا الاختصاص تختلف الحسبة عن الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، لأن اختصاص أعضاء تلك الهيئة يتعلق بأعلى درجات الاجتهاد والتخصص في مجال الفقه الإسلامي المتعلق بالمعاملات المعاصرة، ومن المعلوم أن تلك المعاملات قد تطورت ونمت وامتزجت بما أتاحه الله لعباده من علوم العصر ومخترعاته بما يجعل تفريدها وإضفاء الوصف الشرعي الملائم لها عملًا يحتاج أقصى درجات التخصص في موضوعها.
إن من مهام الهيئة المختصة بالرقابة الشرعية أن تراجع وتعتمد العقود والأساليب التي تسير عليها المؤسسة المالية في أعمالها من مشاركة ومضاربة ومرابحة وصرف وسلم وإجارة، واستصناع وغير ذلك من موضوعات الفقه الإسلامى في المعاملات، بحيث تكون في مضمونها وصياغتها متفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية [2] ، وقد عرفت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية بالبحرين: (هيئة الرقابة الشرعية) بما يبرز فيها هذا التخصص العميق، فقالت إنها: جهاز مستقل من الفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات، ويجوز أن يكون أحد الأعضاء من غير الفقهاء، على أن يكون من المتخصصين في مجال المؤسسات المالية الإسلامية، وله إلمام بفقه المعاملات، وحددت مهمتها في: توجيه نشاطات المؤسسات ومراقبتها والإشراف عليها للتأكد من التزامها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وأن فتاواها وقراراتها ملزمة للمؤسسة التي توجد فيها [3] .
وهذا التخصص يبرز أحد أهم وجوه الفروق بين الوظيفتين، ولهذا لا يكون من الصواب القول بأن الرقابة الشرعية لون معاصر من ألوان الحسبة.
ويختلف نطاق وظيفة المحتسب عن نطاق وظيفة عضو هيئة الرقابة الشرعية في المصارف المالية، حيث يتسم الأول بالعموم والاتساع، والثاني بالتخصص والتحديد، وهو ما يبرز وجهًا آخر من وجوه الاختلاف بين الولايتين.
إن مجال عمل المحتسب لا يقتصر على المعاملات المالية التي يبدو فيها منكرًا ظاهرًا كالغش والتدليس والخداع، ولكنه يشمل كافة وجوه المنكرات الظاهرة حتى لو وجد رجلًا يقف مع امرأة في وضع يثير الشبهة، أو يضعها في موضع التهمة [4] ، وفى حدود المنكرات الظاهرة يتسع نطاق وظيفته ليشمل ما يتعلق منها بحقوق الله وحقوق العباد، وما هو مشترك بين الحقين، كما يشمل: ما يتعلق بالعبادات، وما يتعلق بالمحظورات، وما يتعلق بالمعاملات [5] ، وغيرها.
(1) أبو يعلى - السابق - ص 297.
(2) د. نزيه حماد - السابق - ص 289.
(3) معيار الضبط رقم (1) - السابق.
(4) أبو يعلى - السابق - ص 293 وما بعدها، الماوردى - الأحكام السلطانية - ص 31 - دار الكتب العلمية.
(5) أبو يعلى - المرجع نفسه- ص 292 وما بعدها.