فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 46

حفظًا للدين وتعظيمًا لشعائره الاقتصادية والمالية ومانعًا لتلك المفاسد الماحقة، وأداة مؤكدة لتحقيق ما يرجوه الناس لأموالهم من نمو مشروع وتنمية صحيحة وفق ما يريده الله ورسوله، ونظام يحتل مثل تلك المرتبة في بناء المصالح الشرعية الضرورية المعتبرة يجب أن يكون موضع اهتمام يليق بمنزلته تلك، في حياة الناس عامة، وفى المجال الذي يتعين وجوده فيه خاصة.

(2) والاهتمام بالمصالح الشرعية المعتبرة يجب أن يكون منسجمًا مع أهميتها، ومتفقًا مع ما يعود منها على حياة الأفراد والمجتمع، وكما هو معلوم فإن تدعيم نظام الرقابة الشرعية في مجال المعاملات المالية يجمع بين مصلحتين هما: حفظ دين الله، وحفظ أموال الناس التي عليها مدار حياتهم وحفظ مقومات وجودهم، وإعفاف نفوسهم، والقيام بواجبات الشارع المالية المعلقة بذممهم.

(3) وإذا كان النقل والعقل والنظر السليم يرقون بهذا النظام إلى تلك المرتبة العليا من الأهمية، فإنه لا يجوز أن يكون أقل اهتمامًا من المصالح التي تناظره، أو تقل مرتبة عنه، والناس يحشدون لمؤسساتهم المالية التي لا تتعامل وفق الأنظمة غير الإسلامية بجيوش من الخبراء الاقتصاديين والباحثين والدارسين الذين يبذلون أقصى ما في وسعهم للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الربح، وذلك في إطار نظام وظيفي يكفل لهم التفرغ الذهني والزمني الذين يقدرون به على التميز فيما يقدمونه من دراسات واقتراحات، وإذا لم يكن نظام الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية على هذا المستوى من الإعداد والترتيب فإن ذلك سوف يمثل نوعًا من التقاعد عن القيام بعمل يقوى على مجابهة تلك الأنظمة الربوية ومحاصرة نشاطاتها، وذلك بالمخالفة لما جرت عليه سنن التشريع من أن الله إذا حرم أمرًا أوجد له البديل المشروع الذي يقوم مقامه، ويؤدى مهمته.

(4) إن فقه المعاملات المالية يعد أحد أنواع العلم النافع للناس في دنياهم وأخراهم، وقد حظي الفقه عمومًا، وفقه المعاملات الإسلامية على وجه الخصوص، بأعداد من الفقهاء والباحثين الذين تخصصوا فيه ونبغوا في مجاله، والذين احتضنتهم الهيئات العلمية والمؤسسات الجامعية في مختلف أنحاء المعمورة، واستثمرت خبرتهم العلمية في مجال التدريس، وأغدقت عليهم من المزايا المالية والأدبية ما هو ملائم لمكانتهم العلمية الفريدة، وما كان لهم أن يقوموا برسالتهم على نحو كامل بدون إنشاء لهيكل وظيفي مستقل بكامل نظامه وجميع مخصصاته، والخبرة الفقهية التي يحتاجها نظام الرقابة الشرعية لا يجوز أن تقل عن نظائرها في الجامعات والمؤسسات العلمية المختلفة، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار أن الأعمال الفقهية في هذا النظام تتسم بالطابع العلمي، والتطبيق الواقعي، ومن ثم فإن الاجتهاد والتجديد إذا كان أمرًا مرجوًا في النطاق الأكاديمي، فإنه في نظام الرقابة الشرعية يعد أمرًا حتميًا.

(5) إن مقومات الهيكلة الكاملة للنظام الوظيفي في مجال الرقابة الشرعية متوافرة من الوجهة التشريعية المقررة في نصوص التشريع وأنظمة التعامل المالي الإسلامى، وأعمال الفقهاء والباحثين في هذا الميدان، ومن الجوانب المالية التي لن يتعثر تدبيرها لتدعيم وجود نظام بمثل تلك الأهمية في مجال المعاملات المالية، لكن يبقى في مجال ترسيخ تلك المقومات أمران هما:

(أ) إتاحة المجال لتفرغ وظيفي من قبل الخبراء والفقهاء العاملين في مجال الرقابة الشرعية، ويكون له ما يقابله من الأجر والعطاء الذي يكفل لهم خلو البال وصلاح الأحوال، وذلك بناء على أن كل إنسان احتبس لأداء عمل مفيد بناء على سبب مشروع من نص أو اتفاق يجب أن يلقى ما يستحقه من أجر نظير احتباسه، وهذا معنى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم:"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه [1] ".

(ب) إن صلة الناس بالأموال يحكمها الهوى وميل الطبع لأنها أداة الاقتدار والوسائل إلى تحقيق ما يريدون تحصيله من متع الحياة ولذاتها، ولذلك تراهم مدفوعين لتنميتها وزيادتها بأساليب قد لا يتوافر لها في نفوسهم ما يؤدى إلى التمحيص الكامل لها، أما علاقتهم بالدين وأحكامه فإن مبناها على الالتزام الذي يكبح هوى نفوسهم عن الجموح، ويحمى تصرفاتهم المالية من الشطط الذي لا يبتغى غير الزيادة دون ضابط شرعي أو رابط ديني، وقد جاء في الأثر:"أن الحق ثقيل قوى والباطل خفيف مري"أي موضع شك ومما رآه [2] ، ومن الواجب إخضاع هوى النفوس لدواعي الإيمان في نفوسهم، وأحكام الإسلام في تصرفاتهم، ولن يتسنى إخضاع الهوى للالتزام الشرعي إلا من خلال التجرد الكامل، والحياد الصارم والموضوعية المتجردة لوجه الله وحده ليس إلا، ولهذا يتعين أن يصيب النظام المقرر لهيئات الرقابة الشرعية ما يكفل في أعضائها هذا الحياد الحاد، والتجرد المطلق دون خضوع لهوى أطراف التعاقد في المعاملات المالية بالمؤسسة [3] .

(6) كما ظهر من مقارنة نظام الرقابة الشرعية بما يقابله من الأنظمة الفقهية المشابهة له أن ثمة اختلافًا جوهريًا بين نظامه، وتلك النظم، وهو ما يعنى أن له وجودًا ذاتيًا يختلف عنها، ويحدد ماهيته المستقلة وطبيعته المتميزة عن ماهيتها، وإن كان ذلك التميز لا ينفى أن له صلة بها واشتباها معها من جهة أهمية وجوده، أو بعض مقاصده، لكن يبقى ترسيخ استقلاله أمرًا ضروريًا لتحقيق الغايات المرجوة منه.

ثانيًا: ما نراه أن الرقابة الشرعية نظام وظيفي مستقل ومتميز:

على ضوء ما سبق من مقدمات ودراسة يمكن القول: إن نظام الرقابة الشرعية في مجال المصارف المالية الإسلامية، نظام وظيفي مستقل ومتميز في مهمته وظيفيًا ومرتبط بمؤسسته إداريا، يلتزم فيه الموظف بأن يقوم بعمل حاصله تقديم خبرته العلمية في مجال فقه المعاملات المعاصرة، وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها، ومعاونة المؤسسة التي يعمل بها في تقديم خدماتها والوفاء بشروط تعاقداتها المتعلقة بالتطبيق الصحيح لمبادئ الشريعة، دون إهمال لجوانب التنمية المالية، أو تهوين من نظرة المتعاقدين إليها [4] ، وبالجملة، فإنه لابد أن يمارس عمله في إطار معاملة تجمع بين التنمية المالية، والضوابط الشرعية، مع التجرد الكامل والحياد التام، وذلك في مقابل ما

(1) الحديث روى عن ابن عمر وأبى هريرة وجابر رضى الله عنهم، وحسنه الألبانى في صحيح الجامع، والإرواء، راجع: الجامع الصغير للسيوطى - جـ 21 - ص 254 - رقم 1164 - مكتبة نزار الباز بمكة، وإرواء الغليل - جـ 5 - ص 320 - رقم 1498 - طبعة المكتب الإسلامى بدمشق.

(2) ابن حمدان - صفة الفتوى والمفتى والمستفتى - السابق - ص 80.

(3) وقد نص معيار الضبط للمؤسسات المالية رقم (1) على أنه: يجب أن لا تضم هيئة الرقابة الشرعية في عضويتها مديرين من المؤسسة وألا تضم مساهمين ذوى تأثير فعال، وذلك ضمانًا للحياد.

(4) من أنصار هذا الاتجاه: د. محمد عبد الحليم عمر، د. محمد عبد الغفار الشريف، راجع: د. محمد أمين قطان - ص 19 وما بعدها، وان كنا لا نوافقهم على تشبيهها بالهياكل الوظيفية لنظم المحاسبة والمراجعة وذلك لما يتميز به الفقه من مكانة خاصة تجعل العلم به مقدمًا على علوم الدنيا ـ فإنه حاكم لها، في هذا المعنى: الإمام البغوى - شرح السنة - ص 283 وحواشيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت