يقدموا وصفًا صحيحًا لها أمام فقهاء هيئة الرقابة الشرعية، فيكون بيان حكمهم فيها بناء على تصور صحيح لها، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره [1] .
ومن ثم يبدو - في نظرنا - أن ما قدم من دراسات حول التكييف الفقهي لوظيفة عضو هيئة الرقابة الشرعية في مجال المعاملات المالية لم يصادف الوصف الصحيح لها، وهو ما يحفز همة البحث لاستجلاء تلك الطبيعة على نحو أكثر صحة وصوابًا.
المقصد الثاني
التكييف الفقهي الصحيح للرقابة الشرعية في نطاق المصارف الإسلامية
في نظرنا أن أى تكييف صحيح لنظام جديد ينبغى أن يقوم على فهم حقيقته برؤية كاملة تبرز فيه كافة الخصائص التي تعطى تصورًا صحيحًا عنه، وفقًا لتلك الخصائص الذاتية دون أن تكون صورة النظم المشابهة له أو التي يمكن أن تختلط به مسيطرة على دراستنا له، فتنسينا شيءًا من تلك الخصائص، أو تدفعنا إلى إهمال بعضها الآخر، ودون أن تميل بنا الرغبة في التبسيط إلى التبكير بإطلاق وصف معهود من قبل عليه، وإدخاله فيه ليكون متصلًا به أو متفرعًا عنه، ثم بعد ذلك نحاول توصيفه من الوجهة الشرعية وفقًا لخصائصه الذاتية، وليس وفقًا لما أطلق على الأصل الذي ألحق به.
والتكييف في ذاته يجب أن يتوخى في النظام الجديد ما هو مأمول منه، وفقًا لمكانته في المجتمع، ومنزلته في قلوب الناس، واستشرافًا لما يمكن أن يرجى منه في المستقبل القريب والبعيد، حتى ينشأ قابلًا للنمو، وقادرًا على الرسوخ، وتحقيق ثمرته في حياة المجتمع الإسلامى، بل والإنساني ككل، وذلك ما نود القيام به، قصدًا للوصول إلى تكيف صحيح لهذا النظام الإسلامى الجديد، وذلك كما يلي:
أولًا: الخصائص الذاتية لنظام الرقابة الشرعية:
يتسم نظام الرقابة الشرعية في ذاته بجملة من الخصائص التي يمكن إدراك ملامحها فيه بسهولة، وهذه الخصائص تتمثل فيما يلي:
(1) أن هذا النظام يلبى مصلحة إنسانية تجيء في بدء المصالح الشرعية المعتبرة وختامها وهى الدين والمال، فإن الدين يحتل المرتبة الأولى في قائمة المصالح الشرعية المعتبرة التي ما نزل الإسلام، بل وما نزلت كافة شرائع السماء إلا لحمايتها والمحافظة عليها، وهى الدين والنفس والعقل والعرض والمال [2] ، وكما يبدو من هذا الترتيب المقصود لها عند الأصوليين، فإن حفظ المال يجيء في ختامها.
ونظام الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية يتعلق بحفظ الدين وانتشار أحكامه في ميدان المال والاقتصاد الذي لو ترك بدونه، فإنه سوف يقع نهبًا لأنظمة اقتصادية يتحكم فيها الهوى، ويسودها الغش والتدليس والغصب والاحتكار والغرر والخيانة، ويسيطر عليها الربا بما فيه من فحش، وبما توعد الشارع على فعله من انتقام وحرب، وانتقاص للأموال وإطاحة ببركتها، ومن ثم كان الانقياد له وتدعيم بنائه واجبًا في ذاته
(1) معيار الضبط رقم (1) - فقرة (2) تعريف هيئة الرقابة الشرعية واختصاصاتها.
(2) الموافقات للشاطبي - جـ 2 - ص 10 - ويقول الشيخ دراز في حاشيته عليه رقم (2) نفس المكان: ترتيبها من العالى للنازل هكذا: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والمستصفى للغزالى - جـ 1 - ص 417 - تحقيق د. محمد سليمان الأشقر - الطبعة الأولى - مؤسسة الرسالة، د. جلال الدين عبد الرحمن - المصالح المرسلة ومكانتها في التشريع الإسلامى - ص 19،وما بعدها - الطبعة الأولى سنة 1983 - دار الكتاب الجامعى.