فهرس الكتاب
ومن هاهنا صرَّحُوا أنَّ تعلُّمَ الصَّرفِ والنَّحوِ وغيرهما من مبادئ العلومِ بقدرِ ما يحتاجُ إليه في فهمِ الشَّريعةِ واجب، فإذا لم يفهمْ الحاضرونَ الخُطبةَ العربيَّةِ فالزامُ عدمِ الفهمِ عائد إليهم لا إلى الخُطباء، ولا يلزمُ للخُطباءِ إن يُغيِّرُوا اللِّسانَ العربي، ويخطُبوا بلسانٍ يفهمُهُ الجُهلاء.
وليت شعري؛ ماذا يقول القائلُ في القرآنِ الذي هو عربيّ، فإنّه لا شُبْهةَ في أنَّ نُزُولَهُ للتدبُّرِ والتَّذكُّر، وفَهْمُ معناهُ للعملِ بمؤدَّاه، وهذا للعَجمِ مشكلٌ أيَّ إشكال، أفيجوزُ أن يقرأَ فيهم القرآنُ بالفارسيَّة، أو يكتبَ لهم بالفارسيَّةِ ليزولَ عنهم الإشكال؟
كلا والله؛ بل هم مكلَّفونَ بتحصيلِ ما به يتيسَّرُ لهم فهمُه، ويحصلُ لهم علمُه، وقِسْ عليه الكلامَ في الأخبارِ النَّبويَّةِ وسائرِ أمورِ الشَّريعةِ الواردةِ بالعربيَّة.
ولعلك تتفطَّنُ ممَّا ذكرنا أنَّ الحكمَ في تأديةِ أذكارِ الصَّلاةِ بالفارسيّةِ كذلك، فأنها وإن كانت جائزةً بها، لكنَّها لا تخلو عن البدعةِ والكراهةِ لما هنالك.
فإن قلت: فما معنى قولهم: يجوز كذا وكذا؟
قلت: نفسُ الجوازِ أمرٌ آخر، والجوازُ بلا كراهةٍ أمرٌ آخر، وأحدُهُما لا يستلزمُ ثانيهما، وهم إنّما يكتفونَ بنفسِ الجوازِ من غيرِ نفي الكراهة، وهو لا يستلزمُ انتفاءَ الكراهة.
وتحقيقُهُ أنَّ في الخُطبةِ جهتَيْن:
الأولى: كونُها شرطًا لصلاةِ الجُمُعة.
والثَّانية: كونُها في نفسِها عبادة.
ولكلِّ منهما وصفٌ على حِدة؛ فمعنى قولهم: يجوزُ الخُطبةُ بالفارسيَّة: أنها تكفي لتأديةِ الشَّرطِ وصحَّةِ صلاةِ الجُمُعة، وهو لا يستلزمُ أن يخلو من البدعيَّةِ والكراهةِ من حيثُ الجهة الثَّانية، وقِسْ عليه غيره، وسِرْ به سَيْرَه.
وسئلتُ أيضًا عمَّا اعتادهُ أكثرُ خُطباءِ زماننا من قراءةِ الخُطبةِ بالعربيَّةِ وتضمينها بعضَ الأشعارِ الفارسيَّة، أو الهنديَّة، هل يجوز ذلك؟