الصفحة 107 من 390

إلى دقاق ملك دمشق، وجناح الدولة أمير حمص، وهما يقعان على بُعد أكثر من مائة وأربعين كيلو مترًا من المدينة، بل إنه أرسل إلى كربوغا أمير الموصل التي تقع على بُعد سبعمائة كيلو متر، وكذلك إلى بركياروق سلطان سلاجقة فارس وهو أبعد وأبعد [1] ، ولم يتمكَّن كما ذكرنا من طلب المساعدة من حلب التي تقع على مسافة أقل من ستين كيلو مترًا من أنطاكية!!

ومرت الأيام ثقيلة على الطرفين؛ فالمدينة المحاصَرة لا يصل إليها أي إمداد خارجي، وكذلك الصليبيون يمرون بأزمة واضحة؛ إذ إن الجيوش هائلة، والمؤن ليست كافية في هذه المنطقة المحدودة، وهم لا يستطيعون الابتعاد كثيرًا عن أنطاكية؛ لكي لا يعطوا فرصة للمحاصَرين أن يخرجوا. وقد حدث ذات مرة أن ابتعدت بعض الجيوش الصليبية للإغارة على بعض القرى، فخرج ياغي سيان لقتال الجيوش المتبقية، وكاد ينتصر عليهم لولا مهارة بوهيموند وسيطرته على الموقف حتى عودة بقية الجيوش [2] . وهكذا صار الحصار صعبًا على الصليبيين كما كان صعبًا على المسلمين، غير أنه كان على الصليبيين أشق وأصعب، وخاصةً أن الحصار بدأ في (490هـ) 21 من أكتوبر 1097م، وقد دخلت الأشهر الباردة، وهم في العراء يعانون الجوع والبرد.

وبعد مرور أكثر من شهرين على الحصار جاءت نجدة إسلامية من دمشق على رأسها دقاق السلجوقي، ومن حمص وعلى رأسها جناح الدولة حسين بن ملاعب، والتقوا مع الجيش الصليبي في منطقة جنوب أنطاكية عند البارة [3] في آخر ديسمبر (490هـ) 1097م [4] ، وكان الجيش الصليبي يبحث في هذا المكان عن إمدادات غذائية، ودارت معركة ظهر فيها تفوق المسلمين وإن لم يحقِّقوا نصرًا حاسمًا [5] ، ومع ذلك فقد قرر دقاق الانسحاب والعودة إلى دمشق ليؤمِّن مدينته، ويدرس الموقف من جديد! وفي هذه الأثناء أرسل له الصليبيون رسالة يسكِّنونه فيها ويخدِّرونه، إذ قالوا له أنهم ما جاءوا إلى هذه المناطق إلا لتحرير المدن الشمالية التي كانت ملكًا للدولة البيزنطية مثل الرها وأنطاكية، وأنهم ليس لهم حاجة في دمشق ما دامت لا تقاتلهم. وقد أقنعت هذه الكلمات دقاق فترك أنطاكية تواجه مصيرها، وسكن في مدينته [6] !!

وهكذا عاد الموقف صعبًا من جديد، ولكن مع بدايات السنة الميلادية الجديدة ودخول شهر يناير (491هـ) 1098م، واشتداد البرد وقلة الزاد بدأت الأزمة تتفاقم جدًّا في المعسكر الصليبي، بل نشأت الفوضى بين الجند، وظهرت الاعتراضات هنا وهناك، بل ظهرت دعوات بفك الحصار، بل

(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص134.

(3) البارة: بليدة في منطقة أريحا محافظة أدلب السورية، كان بها حصن، ما زالت خرائب شاهدة على عظم ماضيها. معجم البلدان.

(5) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 132.

(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت