فهرس الكتاب
وأشد من ذلك بدأت تظهر حالات هروب من المنطقة بكاملها، وكانت المفاجأة أنه كان على رأس الهاربين بطرس الناسك الذي كان يُجمِّع الجيوش في فرنسا قبل ذلك، مما يؤكِّد عدم وجود البُعد الديني تمامًا في رؤيته، ولقد جدَّ تانكرد في إثره حتى عثر عليه وهو في طريقه للقسطنطينية، وأجبره على العودة للبقاء مع الجيش الصليبي [1] ، وكانت عودته عودة مخزية مشينة، وضَّحت أهداف الحملة الصليبية تمامًا.
كان بوهيموند النورماني يرقب كل هذه الأوضاع، ويحاول أن يوظِّف الظروف لخدمة مآربه الخاصة، ومطامعه الكبيرة في الحصول على أنطاكية لصالحه هو، وكان يعلم أن الأمراء الصليبيين سينافسونه فيها، كما أن صديقه الإمبراطور البيزنطي لن يسمح له بأخذ أنطاكية [2] ، التي تعتبر من أهم المطامع البيزنطية في المنطقة. فماذا يفعل بوهيموند إزاء هذا الوضع؟!
لقد كان داهيةً على أعلى مستوى، وكان ماكرًا إلى أبعد حدود المكر!
لقد أعلن بوهيموند - وهم في هذه المرحلة الحرجة من الحصار - أنه ما عاد يطيق البقاء في هذه الظروف، وأن عنده ارتباطات كبيرة خاصَّة بمملكته في إيطاليا، ومن ثَمَّ فهو سيسحب جيشه من الحصار، ويقفل راجعًا إلى إيطاليا [3] !
لقد كانت هذه كارثة بالنسبة للجيوش الصليبية! فالجميع يعلم أن أقوى الفرق مطلقًا هي فرقة بوهيموند، ولعله هو أمهر القادة وأقدرهم على وضع الخطط الحربية وأصبرهم على القتال، وعودة بوهيموند إلى إيطاليا كانت تعني بالنسبة لهم فشل الحملة الصليبية، وضياع كل المكاسب المتحققة والمرجوة، وضياع كل ما جرى إنفاقه حتى هذه اللحظة من أموال وأرواح وأوقات.
لقد كان تهديدًا يحمل كارثة للصليبيين، وكان بوهيموند القائد الماكر يعلم قيمته في الجيش، ولم يكن في قرارة نفسه يفكر في العودة، فإنه ما جاء إلى هذه البلاد نصرة للرب، ولا حماية للحجيج، ولا صداقة للإمبراطور البيزنطي، إنما جاء من أجل أنطاكية، وأنطاكية فقط، فموقفه هذا لم يكن إلا لعبة سياسية خطيرة، ولكنه لعبها بدرجة عالية من الاحتراف!
دبَّ الهلع في قلوب زعماء الجيوش الصليبية، والتفوا حول بوهيموند يتوسلون إليه ألا يتركهم، ثم اجتمعوا على منحه أنطاكية له خالصة دون مشاركة في حال سقوطها، فتحقق له ما يريد؛ ومن هنا قرر البقاء والعمل معهم بكل طاقته!! وهكذا سيطر بوهيموند على الموقف مع زعماء الحملة الصليبية [4] .
(2) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.
(4) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 1/ 317،316،