الصفحة 109 من 390

لكن بقيت له مشكلة، وهي وجود السرية البيزنطية بزعامة تاتيكيوس، واتفاقية القسطنطينية التي تقضي بتسليم أنطاكية إلى الدولة البيزنطية، ويمين الولاء والتبعية الذي أقسمه لهذا الإمبراطور قبل ذلك [1] .

ماذا يفعل في هذه الالتزامات؟!

لقد بدأ بوهيموند في استفزاز القائد البيزنطي تاتيكيوس، وبدأ ينكر أي جهود بيزنطية في المساعدة، بل بدأ يفعل ما هو أخطر إذ أشاع أن هناك تنسيقًا سريًّا بين تاتيكيوس والأتراك المسلمين، وأن هناك خيانة للقضية الصليبية، وهذا قد حدث قبل ذلك عند إسقاط نيقية، فلماذا لا يحدث الآن؟

أثارت هذه الإشاعات غضب تاتيكيوس، فأسرع إلى الزعماء الصليبيين يشكو لهم، غير أنهم وجدوها فرصة للتخلص من الالتزامات تجاه الدولة البيزنطية، وقالوا أن الدولة لم تساعدهم في أزمتهم بشيء يُذكر، ومن ثَمَّ فهي البادئة بنقض الاتفاقية، وفي هذا مبرر للصليبيين ألا يلتزموا باتفاقيتهم. وهنا شعر تاتيكيوس بالخطر على نفسه، فانتهز الفرصة وهرب ليلًا إلى قبرص عن طريق ميناء السويدية [2] . وهكذا تحقق هدف بوهيموند في إبعاد الدولة البيزنطية عن الساحة على الأقل عند لحظات سقوط أنطاكية، وبذلك يضمن أن تكون له لا لغيره! وبدأ بوهيموند من جديد ينسق الجيوش، ويرسل الفرق هنا وهناك للإتيان بالمؤن والغذاء، وأخذ يبثُّ الحماسة في قلوب الجنود الصليبيين وزعمائهم [3] .

في هذه الأثناء وفي (491هـ) يناير سنة 1098م حدث أمر غيَّر كثيرًا في سير الأحداث، وأضاف قوة ملموسة إلى المعسكر الصليبي؛ لقد جاءت سفارة من دولة مصر تعرض التفاهم والتفاوض مع الجيش الصليبي لتحقيق مصالح مشتركة!!

لقد كانت مصر في ذلك الوقت تحت حكم العبيديين المعروفين بالفاطميين، وهم كما ذكرنا من الشيعة الإسماعيلية، وكانوا على خلاف كبير مع السلاجقة السُّنَّة، وكذلك مع الخلافة العباسية السُّنِّيَّة؛ ففكر هؤلاء العبيديون في التعاون مع الصليبيين لحرب السلاجقة السنة!! وكان الخليفة العبيديّ في ذلك الوقت هو المستعلي بالله، وإن كانت الأمور كلها في يد الوزير الأفضل بن بدر الجماليِّ. وكان عرض الدولة العبيدية يشمل الاتفاق مع الصليبيين على تقسيم الشام بينهما، فيأخذ الصليبيون أنطاكية ومدن الشمال، بينما يأخذ العبيديون بيت المقدس. وكان العبيديون بالفعل يسيطرون على بيت المقدس حيث قاموا باحتلاله سنة (491هـ) 1097م، حينما كان السلاجقة مشغولين بحرب الصليبيين في آسيا الصغرى [4] .

(4) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت