الصفحة 110 من 390

لقد كانت هذه السفارة تحمل البشريات للجيش الصليبي، بينما كانت طعنة نافذة في صدر - بل في ظهر - الأمة الإسلامية!!

لقد كان لها من الآثار السلبية ما يخرج عن حدِّ التخيل:

فأولًا: رفعت هذه السفارة جدًّا من معنويات الجيش الصليبي؛ إذ علموا أنهم يتعاملون مع أمَّة ضائعة، ليس لها من همٍّ إلا التملك والثروة، وأنهم على استعداد لبيع بعضهم البعض، ولو كان المشتري هم الصليبيون.

وثانيًا: سيؤدِّي هذا الجهد العبيديّ إلى تشتيت السلاجقة السُّنَّة، وإحداث الاضطراب بين صفوفهم؛ فالصليبيون سيهاجمون من الشمال، والعبيديون من الجنوب.

ثالثًا: سيأمن الصليبيون من هجوم الدولة المصرية التي كانت تملك جيشًا كبيرًا، إضافةً إلى أسطول بحري قوي، كان من الممكن أن يغيِّر الموقف في أنطاكية وغيرها لو كان يملكه مخلصون للمسلمين.

رابعًا: وهو أمر مهم جدًّا أن هذه السفارة تعني الاعتراف من الدولة المصرية لهذا الكيان الجديد القادم على أرض المسلمين، وأن له الأحقية الشرعية في أرض أنطاكية [1] ، وعندها لا يجوز للمسلمين أن يطالبوا بهذه الأرض، فقد أعطوها في مقابل أرض بيت المقدس، وسينسى الناس بعد ذلك أن كلتا الأرضين مسلم!!

لقد كانت خيانة بكل المقاييس!

ولقد أظهر الصليبيون الترحاب بالسفارة مع أنهم يعزمون تمامًا على أخذ بيت المقدس، بل ويعلنون ذلك جهرةً في كل محافلهم، ولكنهم قبلوا بهذا الطرح مؤقتًا [2] ، وسوف يتجاهلونه مستقبلًا كما تجاهلوا وعودهم للدولة البيزنطية، وهو ما يسمى في أعرافهم سياسة، ولكنها - للأسف - سياسة لا تنجح إلا مع الأغبياء أو العملاء! ولقد كان كثير من زعماء المسلمين في ذلك الوقت من أحد هذين الصنفين أو منهما معًا!

كان هذا هو موقف الدولة العبيدية الشيعية.

وماذا كان موقف رضوان بن تُتش حاكم حلب؟!

إن موقفه خطير جدًّا؛ فهو وإن كان على خلاف مع ياغي سيان إلا أنه يعتبر أنطاكية من ممتلكاته الشخصية [3] ، وأن ياغي سيان استولى عليها، ومن ثَمَّ فالصليبيون الآن يأخذون جزءًا من ميراثه، فوق أنهم قريبون جدًّا منه، وقد يتوجَّهون إلى حلب بعد سقوط أنطاكية؛ لذلك انتهز رضوان

(1) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 163.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 418.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت