فهرس الكتاب
كميات كبيرة من الزاد والسلاح وآلات الحصار؛ مما رفع معنويات الجيش الصليبي جدًّا، ثم تمَّ لهم بناء القلعة في (491هـ) 19 من مارس 1098م، وبذلك صار الحصار مشددًا بشكل أكبر وأخطر [1] .
جدد ياغي سيان استغاثته بسلطان سلاجقة فارس بركياروق، وكذلك بواليه على الموصل كربوغا [2] ، وقد استجاب كربوغا لنداء ياغي سيان، وجهَّز جيشًا كبيرًا، ولكنه - للأسف - قرر أن يحاصر الرها ويحاول إسقاطها قبل أن يأتي إلى أنطاكية، والذي دفعه إلى ذلك قرب إمارة الرها - وعلى رأسها الداهية بلدوين - من إمارة الموصل، فخَشِي كربوغا إن أخذ جيشه وذهب إلى أنطاكية (وهي على بُعد أكثر من سبعمائة كيلو متر من الموصل) أن يهجم بلدوين على الموصل الخالية من الجيوش. وهكذا أضاع هذا الأمر عدة أسابيع من كربوغا [3] ، وهو في محاولة فاشلة لإسقاط الرها، ولم يتحرك في اتجاه أنطاكية إلا في (491هـ) أواخر شهر مايو 1098م.
أثار قدوم كربوغا في الطريق إلى أنطاكية الفزع في الجيش الصليبي، فالأخبار تقول أن جيشه كبير، والصليبيون قد تعبوا من طول الحصار، فقد مرت عليهم حتى الآن أكثر من سبعة أشهر، وهم مرابضون أمام أسوار أنطاكية، وفي هذه الحالة السيئة وفي يوم 2 من يونيو 1098م قرر ستيفن دي بلوا الانسحاب من المعركة ليأسه من فتح أنطاكية، وأخذ معه عدد كبير من الفرنسيين، واتجه إلى ميناء الأسكندرونة ليقفل عائدًا إلى فرنسا [4] !
لقد تأزم الموقف جدًّا على الفريقين!
لكن في هذه الأثناء لعبت الخيانة دورها؛ لقد ظهر في أنطاكية رجل أرمني الأصل تظاهر بالإسلام اسمه نيروز أو فيروز، وتبادل الرسائل السرية مع الأرمن الموجودين في الجيش الصليبي، وكان كثير من الأرمن من أهل أنطاكية خرجوا من المدينة عند بدء الحصار وانضموا إلى الجيش الصليبي [5] ، وقال هذا الرجل الأرمني: إنه يعلم أسرارًا قد تسهِّل فتح حصون أنطاكية. لقد كان هذا الرجل مقربًا من ياغي سيان، وكان ياغي سيان يوليه حراسة عدد من أبراج أنطاكية المهمة. وصلت هذه المعلومات إلى بوهيموند شخصيًّا، فتكتمها عن بقية الزعماء الصليبيين، وتراسل مع هذا الأرمني الذي طلب مالًا وإقطاعًا في البلد بعد سقوطها، فأقره بوهيموند على ذلك [6] . جمع بوهيموند زعماء الحملة الصليبية وأعاد على أسماعهم خطورة الموقف، وتيقن مرة ثانية من أنهم سيسلمونه أنطاكية إذا تم فتحها [7] ، ثم بدأ يحدِّد لحظة الهجوم وساعة الصفر، وكانت في (491هـ) صباح يوم 3 من يونيو 1098م أي بعد يوم واحد من رحيل ستيفن دي بلوا ومن معه من الفرنسيين. فتح نيروز الأرمني الأبواب في برجه وفي بعض الأبراج المجاورة، بل إن بعض الروايات تذكر أنه قتل أخًا له؛ لكي لا يكشف قصة المؤامرة، وهكذا انسابت الجيوش الصليبية الهائلة داخل المدينة مع الساعات الأولى من الصباح. أسرعت الأرمن في داخل المدينة بالانضمام إلى الصليبيين [8] ، وأدرك ياغي سيان المؤامرة بعد فوات الأوان، وقرر الهروب في مجموعة من الأتراك، غير أن الأرمن من أهل أنطاكية أحاطوا به وقتلوه، وحملوا رأسه إلى الصليبيين [9] ؛ لتسقط بذلك كل عزيمة عند الشعب المسلم والجنود على حد سواء.
وسادت موجة من الذعر هائلة في داخل أنطاكية، وانطلق الصليبيون يستبيحون المدينة بعد الحصار الطويل، وقتل من الرجال والنساء والأطفال ما يخرج عن حد الإحصاء، وسبيت أعداد هائلة من النساء والأطفال [10] ، وسرعان ما ارتفعت أعلام بوهيموند النورماني على أسوار أنطاكية وأبراجها.
لقد كان سقوطًا مروعًا هزَّ العالم الإسلامي بأسره، كما هزَّ العالم المسيحي.
إنها المدينة القديمة الجميلة الحصينة التي تحمل تاريخًا إسلاميًّا مسيحيًّا طويلًا، ثم إنه السقوط المروع بعد حصار أكثر من سبعة أشهرٍ متصلة، ثم إنها المذبحة الهائلة التي سقط فيها عشرات الآلاف من المسلمين [11] !
وأسرع الصليبيون لدفن الجثث المتراكمة؛ لئلا تنتشر الأوبئة في المدينة فتُهلِك الجيش بأكمله، وبدءوا أيضًا في الانتشار في الحصون والأبراج، وسيطروا سيطرة كاملة على مداخل المدينة ومخارجها [12] .
وفي هذه الأثناء كان كربوغا يتحرك بجيشه من الرها بعد أن يَئِس من إسقاطها، ثم توقف في مرج دابق على بُعد 650 كيلو مترًا تقريبًا من أنطاكية، حيث عقد اجتماعًا مع بعض رءوس الإمارات من الأمراء والملوك ليكوِّن جيشًا كبيرًا لإنقاذ أنطاكية، وكان جيش كربوغا هذا مرسَلًا من قِبل بركياروق سلطان السلاجقة وأقوى الشخصيات السلجوقية في ذلك الوقت؛ لذلك أذعن لكربوغا عدد كبير من الأمراء منهم دقاق صاحب دمشق، وأرسلان تتش صاحب سنجار، وجناح
(3) وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحار 1/ 319،318، رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 1/ 346.
(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 168، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 134.
(8) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 417.
(9) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 134.
(10) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.
(11) قدرت المصادر الصليبية عدد المسلمين الذين ذبحهم الصليبيين في أنطاكية بعشرة آلاف.