فهرس الكتاب
ونعود من جديد لقصة مودود رحمه الله؛ استمر مودود رحمه الله في الإعداد لحملة جديدة يهاجم فيها الصليبيين منتهزًا أيَّ فرصة مناسبة للخروج، ولم يكن مهتمًّا كثيرًا بالاتجاه إلى إمارة صليبية معينة، بل كان غرضه هو تحرير البلاد الإسلامية كلها، وليس مكانًا معينًا بذاته، فكان أن أرسل إليه طغتكين أمير دمشق يستغيث به في أواخر سنة (506هـ) \ مايو 1113م، حيث توقَّع صدامًا مرتقبًا مع بلدوين الأول ملك بيت المقدس [1] .
والواقع أن طغتكين كان قد دخل عدة مناوشات مع ملك بيت المقدس، وخاصةً حول مدينة صور اللبنانية، وكانت مدينة صور هي المدينة الوحيدة في قطاع لبنان التي لم تسقط في يد الصليبيين، ولم ينسها بلدوين الأول بل وجَّه إليها قوة عسكرية لإسقاطها، فاستغاث أهلها بطغتكين، فتوجه إليها بقوة من جيشه، واستطاع الدفاع عنها ببسالة، بل إنه قال لأهلها:"أنا ما فعلت هذا إلا لله تعالى، لا لرغبة في حصنٍ أو مال، ومتى دهمكم عدوٌّ جئتكم بنفسي ورجالي" [2] . والواقع أن مستقبل الأحداث صدَّق هذا الكلام، حيث لم يطالب طغتكين أهل صور بدفع مال له نظير الحماية، ولا شك أن هذا التطوع منه أغضب بلدوين جدًّا، فكانت النتيجة أنه بدأ يهاجم الضِّياع والأملاك الواقعة جنوب دمشق، مستخدمًا في ذلك الحامية القوية الموجودة في منطقة الجليل وطبرية بقيادة القائد المتحمِّس الجديد جوسلين دي كورتناي، بل لم يكتفِ بلدوين الأول بذلك، بل أخذ في مهاجمة القوافل الدمشقية المتجهة إلى القاهرة، والتي كانت تسلك طريقًا بعيدًا في الداخل لتهرب من مملكة بيت المقدس، إلا أنَّ بلدوين الأول كان يترصدها في وادي موسى جنوب البحر الميت، فينهب ما بها من ثروات وبضائع، ويعتدي على التجار فيها [3] ؛ ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شعر طغتكين أن هناك من التحركات الصليبية والإعدادات ما يشير إلى احتمال هجوم كبير على جنوب دمشق أو دمشق ذاتها؛ مما دفعه إلى الاستنجاد بالزعيم الحقيقي الموجود في المنطقة وهو مودود بن التونتكين رحمه الله [4] .
وجد مودود رحمه الله أن هذه فرصة مناسبة مع خطورتها، ووجهُ الخطورة أنه سيقاتل بهذه الصورة في عمق دمشق بعيدًا جدًّا عن إمارة الموصل، حيث ستكون الموقعة غالبًا جنوب دمشق (أكثر من ألف كيلو من الموصل) ، ثم إنه سيقاتل أقوى جيوش الصليبيين، وهو جيش مملكة بيت المقدس، إضافةً إلى احتمالية أن يُغلِق عليه الصليبيون في الرها وأنطاكية طريقَ العودة إلى الموصل مما قد يوقعه
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 149.
(2) ابن الجوزي: مرآة الزمان حوادث سنة (506 - 508هـ)
(3) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص218،
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 149.