فهرس الكتاب
في خطر شديد، ومع ذلك فقد قَبِل مودود أن يلبي نداء طغتكين دون تردد، وخرج بالفعل على رأس جيشه صوب دمشق في أواخر (506هـ) مايو 1113م [1] ، أي في نفس الشهر الذي وصلت فيه الاستغاثة من طغتكين.
وكان من الأمور المهمة التي تشغل ذهن مودود، وهو في طريقه إلى دمشق، أنه سيمرُّ جنوب إمارة الرها أو قد يخترق بعض أملاكها، وهذا - لا شك - قد يعرِّض جيشه لهجوم صليبي، خاصةً أن العلاقات بينه وبين إمارة الرها في غاية التوتر لتكرار هجومه عليها وحصاره لها، إلا أنَّ الله - عز وجل - مهَّد له الطريق ببعض الأحداث التي مهدت له الطريق، وشغلت الصليبيين في داخل إمارة الرها بأنفسهم؛ ذلك أنه قد سَرَتْ إشاعة في داخل الإمارة في أواخر (506هـ) مايو 1113م، أي في نفس الشهر الذي خرج فيه مودود من الموصل، أنَّ الأرمن يُراسِلون من جديدٍ المسلمين للخلاص من الصليبيين، وسواء كانت هذه الإشاعة صحيحة أم باطلة فإنَّ ردَّ فعل بلدوين دي بورج كان عنيفًا للغاية [2] ؛ إذ أمر جنوده أن يقوموا بحملة تطهير عرقي بشعة في داخل المدينة لكل الأرمن بلا استثناء، ومن ثَمَّ انطلق الجنود الصليبيون على تجمعات الأرمن العُزَّل يقتلون ويذبحون، ثم فتحوا أبواب المدينة ليهرب منهم من يريد إلى خارج المدينة التي عاشوا فيها عمرهم، وفيها كل ممتلكاتهم وأموالهم، فمنهم من خرج لا يلوي على شيء، ومنهم من بقي في داره، فكان من يبقى يدخل عليه الجنود الصليبيون فينهبون داره، ثم يحرقونها بسكانها من الأرمن! وكان من أبشع أيام هذه المجزرة - كما يروي المؤرخ الأرمني متَّى الرهاوي - يوم 13 من مايو 1113م، حيث انتشرت المذابح بالجملة، وكان أسود يوم في تاريخ الأرمن مطلقًا، حتى كان الأب - كما يصور متَّى الرهاوي - لا يعرف أبناءه، ولا الأبناء يعرفون آباءهم، بل كان كل واحد ليس له من همٍّ إلا الهرب، وانتهى الأمر بقتل أو طرد كل الأرمن من المدينة بلا استثناء [3] ! ولا شك أن هذا الموقف جعل الأوضاع الأمنية والاقتصادية في إمارة الرها في غاية الاضطراب، مما جعل بلدوين دي بورج لا يفكر مطلقًا في مهاجمة جيش مودود، ولا التجرُّؤ على قطع طريق عودته، فكان هذا تدبير ربِّ العالمين للمجاهد المؤمن مودود بن التونتكين!
ومع كل ما حدث من خيانات سابقة من الأمراء المسلمين الذين صحبوا مودود في معاركه مع الصليبيين، فإنَّ مودود دعا إلى التجمُّع من جديد لحرب الصليبيين مرسِّخًا بذلك مبدأ الوحدة والتجمع حول راية واحدة، وقد استجاب له في هذا النداء قميرك أمير إمارة سِنْجَار، وهي من
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 149.