الصفحة 315 من 390

فهذه ست قوى متصارعة على الحكم، كلٌّ منها له طموحه الخاص، ومبرراته لطلب الحكم، وكلٌّ منها يقف خلفه أنصار وأعوان، وجيش وشعب!

لقد كانت أزمة حقيقية توشك أن تدفع الأمة إلى أتُّونٍ من الصراعات والانشقاقات.

فإذا أضفت إلى هؤلاء بعض القوى الأخرى التي لا تطمع في كرسي السلطنة ولكنها مؤثِّرة للغاية، فإن الموقف سيزداد تعقيدًا، وعلى رأس هذه القوى بلا شك يأتي عماد الدين زنكي رحمه الله!!

فعماد الدين زنكي وإن كان مجرد أمير على إمارة إلا أنه أصبح من أقوى القادة العسكريين، ومن أوسعهم نفوذًا؛ إذ يسيطر الآن على الموصل وحلب وحران وحماة ونصيبين وبعض مناطق الأكراد، بل يصل نفوذه إلى مشارف أنطاكية. ثم إنه البطل الذي انتصر على الصليبيين، وقلوب الشعوب الإسلامية تهفو إليه. نَعَمْ هو في هذه المرحلة لا يستطيع أن يعلن دولة خاصة به، وليس له القبيلة الكبيرة أو الأعوان الكثر الذين يساعدونه على الاستقلال وإنشاء دولة جهادية خالصة إلا أنه قوة لا يستطيع المتنافسون على السلطة أن يتجاهلوها، ولن يصبح في نفس الوقت قرار عزله قرارًا آمنًا؛ لأنه سيؤدِّي إلى سخط عام في العالم الإسلامي، كما أن الاحتياج إليه في جهاد الصليبيين أصبح احتياجًا ماسًّا.

وعلى هذا فالمتوقع الآن أن تبدأ إحدى هذه القوى أو أكثر من قوة، في استقطاب عماد الدين لصالحها، وعلى عماد الدين أن يحسن الاختيار؛ لكي لا يدخل في صدام مع شخصية قد تصل بعد ذلك إلى كرسيِّ السلطنة، ومن ثَمَّ يضطرب موقفه، وبالتالي تتوقف حركة الجهاد.

فما هي رؤية عماد الدين زنكي في هذا الموقف الشائك؟

إن الموقف حقيقة في غاية التعقيد؛ لأن القوى تكاد تكون متساوية، وفرصتها متقاربة، إلا أن الفرصة الكبرى في تخيل عماد الدين زنكي كانت للملك مسعود بن محمد بن ملكشاه، وهو أكبر الأخوة الآن للسلطان الراحل محمود [1] .

إن هذا هو أكبر الأخوة، وبالتالي ففرصة اجتماع الناس عليه عالية؛ لأنه أكبر من أخويه طغرل وسلجوقشاه، وهو أفضل من الطفل داود ابن السلطان الراحل، الذي لا يملك من أمره شيئًا، بل سيكون أُلْعُوبة في يد أتابكه آقسنقر الأحمديلي. وكذلك فرصة الملك مسعود أعلى من السلطان سنجر؛ لأن السلطان سنجر وإن كان كبيرًا مهيبًا إلا أنه بعيد، وسيطرته في غالب الأمر شرفيَّة، وليست واقعية.

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت