فهرس الكتاب
أما الخليفة المسترشد بالله فإمكانياته أقل من أحلامه، والوقوف إلى جواره في هذه الأزمة هو عدم فقه للواقع، ولا حسن تقدير للنتائج.
وإضافةً إلى كل ما سبق فإن الملك مسعود شخصيَّة محبوبة وحسنة الخلق، وبالتالي سيكون قبول المسلمين لها عاليًا.
وفي نفس الوقت الذي كان عماد الدين زنكي يفكِّر فيه في الملك مسعود كان الملك مسعود يفكر في القوى الموجودة على الساحة لنصرته في الوصول إلى كرسي السلطنة، وكان من أوائل الذين فكَّر فيهم عماد الدين زنكي الأمير القوي!
وهكذا أرسل الملك مسعود رسالة إلى عماد الدين زنكي يطلب منه المساعدة العسكرية على إقراره في منصب السلطة، ووعده بإعطاء مدينة إربل المهمة جدًّا عسكريًّا في نظير هذه المساعدة، فوافق عماد الدين زنكي، وصار في صفِّ الملك مسعود [1] .
ثم إن التقليد المتبع في ذلك الوقت كان يقضي بأنه لا بد للسلطان الجديد من تقليد من الخليفة العباسي، وهذا يجعل فرصة الطاعة للسلطان في أنحاء العالم الإسلامي أوسع؛ لأن الناس كانت تعتبر جدًّا برأي الخليفة، على الأقل من الناحية الشرعية، ويشعرون أن مخالفته لا تأتي بخير، مع يقين الجميع بضعف مركزه، وقلة حيلته؛ ولذلك كان السلاطين حريصين دائمًا على تقليد الخليفة لهم، ومن شَعَر أن الخليفة لن يقلده فلا يمانع أن يخلع الخليفة تمامًا، ثم يضع خليفة غيره يعطيه التقليد!
وعليه فإن الجميع كان ينظر إلى رأي المسترشد في هذه القضية، وعادةً ما كان الخليفة يُقِرُّ من اتفق السلاجقة على اختياره، أما الآن فالوضع مختلف؛ إذ حدث التنازع بين خمس شخصيات مختلفة: العم سنجر، والأخوة الثلاثة مسعود وطغرل وسلجوقشاه، والابن داود. فمَن مِن هؤلاء يختار الخليفة؟!
إن الخليفة المسترشد متطلع للحكم، وعليه فهو يريد أن يختار أقل الناس تدخلًا في شئون الحكم؛ لكي يدير هو الأمور بنفسه، وعلى ذلك فقد وقع اختياره على السلطان سنجر؛ وذلك لبُعد المسافات بينه وبين العراق، ومن ثَمَّ سيصبح للخليفة المسترشد كلمة مسموعة في العراق على الأقل، وقد يكون في الشام أيضًا [2] !
هكذا كان رأي المسترشد بالله وطموحه!
وعلى هذا فقد أقام المسترشد الخطبة للسلطان سنجر، وعلَّق أي موافقة على سلطان جديد على موافقة السلطان سنجر شخصيًّا، وهذا - ولا شك - أعجب السلطان سنجر جدًّا واستحسنه [3] !
فالسلطان الذي اختاره السلطان محمود قبل أن يموت هو السلطان داود ابنه ومعه جيش أصفهان، وهو القوة الرئيسية في جيوش السلاجقة، حيث كان تحت سيطرة السلطان محمود شخصيًّا، ولا شك أن السلطان داود - مع أنه طفل صغير - لن يقبل بضياع السيطرة منه؛ ولذلك عزم على التوجه إلى بغداد بجيشه؛ لإجبار الخليفة على تقليده للسلطنة!
وفي نفس الوقت تحرك الأخوان مسعود وسلجوقشاه إلى بغداد لنفس الغرض، وهو إجبار الخليفة على تقليدهما كلٌّ على حدة!
فهذه جيوش ثلاثة لداود ومسعود وسلجوقشاه!
ومن الموصل تحرك جيش عماد الدين زنكي نصرةً لمسعود.
أما السلطان سنجر فقد شعر أن بُعد المسافة قد يمنعه من السيطرة على الأوضاع، فاتفق مع الأخ الثالث طغرل، وجمع جيشًا كثيفًا وتوجه إلى بغداد هو الآخر! وهذا مالم يكن يتوقعه الخليفة، فهو لم يتخيل أن يأتي سنجر بنفسه ومعه طغرل، ليصبح في النهاية الخليفة تابعًا لهم كما كان تابعًا لغيرهم [4] !
وتعقَّد الموقف تمامًا! فهناك أربع قوى متصارعة!
قوة السلطان المعلن حتى الآن، وهو السلطان داود بن محمود ومعه جيشه المتجه إلى بغداد، ويقاومه الآن ثلاث قوى مؤيدة بجيوش، وكلها يتجه إلى بغداد أيضًا:
القوة الأولى: قوة الملك مسعود بجيشه، ومؤيَّدة بجيش عماد الدين زنكي.
القوة الثانية: قوة الملك سلجوقشاه.
القوة الثالثة: قوة السلطان سنجر، ومعه الملك طغرل.
وهذا الوضع لا بد أن يلزم الخليفة بأن يختار بجدية السلطان المرتقب الذي يجب أن يقف إلى جواره.
ولكن قبل الحديث عن نتيجة هذه الصدامات المرتقبة لا بد من وقفة مع هذا الموقف العجيب، حيث تتصارع جيوش حقيقية قوية يقودها أخوة وأقارب من الدرجة الأولى!
كيف تمَّ هذا؟ وما هي طبيعة القتال بينهم؟!
(1) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 47.
(2) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 47،46.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 262.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 262 - 264.