فهرس الكتاب
لي على هذا الموقف عدة تعليقات:
أولًا: فتنة الدنيا. يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا" [1] .
والفتنة التي فتحت على هؤلاء فتنة عظيمة جدًّا، فنحن كثيرًا ما نرى الأخوة يتصارعون على ميراث بسيط تركه لهم أبوهم، فما بالكم بتركة تضم عدة دول كبرى!!
إن الذي سيوضع في منصب السلطان ستكون له السيطرة على العراق وفارس (إيران) والشام بكل دولها وأذربيجان وأرمينية وباكستان، وقد يتوسع ملكه بعد ذلك في بلاد أخرى كالجزيرة العربية أو تركيا، فهي فتنة عظيمة، ولا سيما أن آخر ما يخرج من قلب الإنسان هو حب السلطان!
ثانيًا: هؤلاء الأخوة وإن كانوا من أبٍ واحد، إلا أنهم كثيرًا ما ينشئون متباعدين، حيث يعيش كل واحد في دولة مختلفة، وقد يكون له أم مختلفة، ومربٍّ مختلف؛ فلا يربط بينه وبين أخيه الرباط الذي نراه في الأخوة المتحابين.
ثالثًا: التربية العسكرية الصرفة التي ينشَّأ عليها الأولاد، خاصةً في الدولة السلجوقية التي كانت دولة عسكرية من الطراز الأول، وقد رأينا في كثير من الأحيان أن الذي يتولى تربية الأولاد رجل عسكري، بل قد يكون رئيس الجيش كله، وهو الذي كان الأتراك السلاجقة يطلقون عليه لفظ"أتابك"أي مربي الأمير، فكان عماد الدين زنكي مثلًا هو مربي ألب أرسلان بن السلطان محمود، وكان طغتكين الذي صار أمير دمشق هو مربي أولاد دقاق بن تتش، وهكذا. ولا شك أن هذه النشأة العسكرية جعلت قضية الروابط الأسرية والعلاقات الإنسانية أقل عندهم من غيرهم.
رابعًا: الزمن زمن فتنة، والخليفة ضعيف، وكل واحد من هؤلاء له مبرراته - التي قد تكون مقنعة - للوصول إلى الحكم، وقد يرى أنه يدافع عن حقٍّ، ولا يجب التفريط فيه. والذي يثبت أن القضية فعلًا فتنة هو اشتراك عدد لا بأس به من أفاضل الأمة وثقاتها في مثل هذه الصراعات، بل إن السلاطين المشاركين في هذه الصراعات كانوا على درجة عالية من الأخلاق الحميدة، والخصال الحسنة، وكانوا في مجملهم محبوبين في شعوبهم، قريبين من رعيتهم.
رابعًا: ضعف الاتصالات كان يؤدي إلى كثير من النتائج السلبية، والمشاكل المعقدة، وقد كان الجميع يتنافس على الوصول إلى الخليفة أولًا، وقد يأخذ هذا الوصول أيامًا كثيرة، ثم يعود بالرَّدِّ
(1) البخاري: كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (6063) ، ومسلم: كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا (1052) .