الصفحة 318 من 390

في أيامٍ أخرى، وهكذا. فلو أخذت هذا الأمر على نطاق المساحة الشاسعة التي يعيش فيها كل واحد من هؤلاء المتصارعين، لعلمت أن الأمر فعلًا في غاية التعقيد.

خامسًا: لا شك أن البطانة المحيطة بكل واحد من هؤلاء كانت تزيِّن له أنه أفضل الجميع وأحكمهم وأعقلهم، وأحقهم بالحكم، ولا شك أن هذه البطانة مستفيدة جدًّا من وصول رجلهم وقائدهم إلى منصب السلطنة، فهذه ليست ترقية له فقط، بل ترقية للجميع!

فهذه بعض الخلفيات التي تفسِّر لنا حدوث مثل هذه الفتنة، وليس هذا مبرِّرًا لقَبولها، أو عذرًا لحدوثها؛ فإن هذه الفتنة كانت وبالًا كبيرًا على المسلمين عطَّل مسيرة الجهاد أربع سنوات كاملة، ولكن ذكرناها من باب محاولة فَهم الأحداث فهمًا متكاملًا.

وممَّا هو جدير بالذكر أن المعارك التي كانت تدور بين هذه الطوائف المتناحرة لم تكن معارك ضارية مع أن أعدادهم كبيرة، وعُدَّتهم قويَّة، ممَّا يدلُّ على أن معظم المتصارعين كانوا حريصِين إلى حدٍّ كبير على دماء إخوانهم؛ ولذلك كثيرًا ما رأينا تصالحًا أثناء القتال، أو عفوًا بعد النصر، أو عدم حميَّة أثناء الصدام؛ ممَّا أفرز نتائج قد نستغربها أحيانًا، وهذا لم يكن عند السلاطين فقط، بل حتى عند القادة الأقلِّ، بل وعند الجنود؛ لأنه من المؤكَّد أن حميَّة هؤلاء للقتال ليست كحميَّتهم عند قتال الصليبيين.

ونعود إلى الأحداث، ونجد أن الخليفة المسترشد بالله بدأ يتردَّد في قضيَّة إعلانه أن السلطان الذي يجب أن يُسيطر على العراق هو السلطان سنجر، وخاصَّة أنه أتى معه بالملك طغرل بن محمد، الذي سيسيطر على الأمور كلها.

وفي نفس الوقت التقى جيشا السلطان داود بن محمود مع جيش عمِّه الملك مسعود في أرض فارس، وحدثت مناوشات ليمنع كل منهما الآخر من الوصول إلى بغداد، وانتهت المناوشات بالصلح بين الطرفين، ولكن أرسل كل منهما رسالة سريعة إلى الخليفة المسترشد يطلب إعطاءه السلطنة.

وكانت المناوشات التي حدثت بين السلطان داود والملك مسعود سببًا في وصول الملك سلجوقشاه إلى بغداد أولًا، وهو بالطبع يطلب لنفسه السلطنة [1] !

وبينما استقبل الخليفة سلجوقشاه، وبدأ في المباحثات، إذ بجيشين يقتربان من بغداد! الجيش الأول هو جيش الملك مسعود من الشمال الشرقي، والجيش الثاني هو جيش عماد الدين زنكي الموالي للملك مسعود، ويأتي من الشمال الغربي!

ووجد الخليفة نفسه في مأزق، خاصَّة أنه ليس على وفاق مع عماد الدين زنكي بسبب قضيَّة دبيس بن صدقة، ومن ثَمَّ وبعد مفاوضات سريعة مع سلجوقشاه اتَّفقا على قتال هذين الجيشين

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 262،263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت