فهرس الكتاب
والدفاع عن بغداد! ولكن كان من الواضح أن الخليفة لا يدري لماذا هو يدافع عن بغداد، هل يدافع عنها لنفسه أو للملك سلجوقشاه، أم للسلطان سنجر، أم للسلطان داود؟! لقد كان الموقف عجيبًا حقًّا! كما أن الجيوش المهاجمة لبغداد لم تكن تهاجم بحميَّة وقوَّة، فَهُمْ في النهاية يهاجمون عاصمة الخلافة الإسلاميَّة بغداد، والذين يدافعون عنها هم إخوانهم وعشيرتهم.
وهكذا حدث قتال بلا رُوح، لم تظهر فيه المهارات المعروفة للمقاتلين.
لقد اتجه سلجوقشاه بجيشه لحرب أخيه مسعود، بينما اتجه الخليفة لحرب عماد الدين زنكي!
وكان الصدام الأول هو الصدام بين الخليفة بجيش بغداد مع عماد الدين زنكي بجيش الموصل، ومن الواضح أن عماد الدين زنكي لا يقاتل بحميَّته المعروفة، ولا بحماسته المعهودة، فحدث أمر متوقَّع، وهو أنه انهزم من جيوش الخليفة! ونقول: إن هذا شيء متوقَّع؛ لأن الخليفة يقاتل بكلِّ طاقته، وبجيش بغداد الذي يصل إلى ثلاثين ألف مقاتل، بينما كان يتحرَّج عماد الدين زنكي من مثل هذا القتال، وكل ما تخيَّله أنه سيذهب بقوَّة رمزيَّة إلى بغداد يكون هدفها فقط أن تعلن أن الموصل وبلاد الشام تقف إلى جوار الملك مسعود، غير أن الصدام حدث، وكان الخليفة جادًّا تمامًا في حربه، ولعلَّه كانت تراوده أحلام الفكاك النهائي من السيطرة السلجوقيَّة على العراق!
وهُزم عماد الدين زنكي وجيشه، وتفرَّق الجيش هنا وهناك، وهرب عماد الدين زنكي في اتجاه الشمال، ووصل إلى مدينة تَكريت، وهي في المنتصف بين بغداد والموصل، وكانت وراءه فرقة من الجيش العباسي تطارده، وكان من الممكن أن تكون أزمةً كبيرة، خاصَّة أن نهر دجلة كان يعوقه عن العبور للناحية الغربيَّة ليصل إلى مدينة الموصل، لولا أن أمير قلعة تكريت عرف عماد الدين زنكي فأسرع بمدِّ المعابر على دجلة، وأنقذه من الجيش العباسي، بل واستضافه في قلعته عدَّة أيام أصلح فيها شأنه، وطمأن قلبه؛ لأنه كان يشعر أن هذا الرجل هو أمل المسلمين، وهو الذي يحمل راية الجهاد ضدَّ الصليبيين، كل هذا مع أنَّ مدينة تكريت تابعة للخليفة العباسي، وليس لأحد آخر، ممَّا يعني أن هذا الرجل يخاطر بمنصبه في سبيل حماية عماد الدين زنكي [1] .
بقي أن نعرف أن هذا الرجل هو نجم الدين أيوب بن شاذي، وهو والد صلاح الدين الأيوبي، ولم يكن صلاح الدين قد وُلد بعدُ في هذه الفترة، ولكن كانت هذه الحادثة سببًا في التعارف والتآلف بين نجم الدين أيوب وعماد الدين زنكي؛ مما مهَّد لأن يُرَبَّى صلاح الدين الأيوبي بعد ذلك في كنف أولاد عماد الدين زنكي، وأهمّهم بالطبع هو نور الدين محمود.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 263.