الصفحة 320 من 390

فانظر إلى عجيب تدبير ربِّ العالمين، ولو لم يكن هناك من فوائد لهذه الفتنة التي حدثت إلاَّ هذا التعارف لكفى به، وصدق الله - عز وجل - إذ يقول: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [1] .

وصلت أخبار هزيمة عماد الدين زنكي إلى الملك مسعود، وكان حينها في مناوشات عسكريَّة مع أخيه سلجوقشاه، فعلم أن الحلَّ العسكري لن يُجدي، خاصَّةً أن جيوش السلطان سنجر بدأت تقترب من بغداد، هنا اتَّفق الملك مسعود وأخوه الملك سلجوقشاه على الصلح، وتراسلا مع الخليفة ليعرضا عليه رأيًا!

وكان الرأي هو أن يُعطى العراق للخليفة يحكمه عن طريق وكيل له يختاره، وتُعطى السلطنة لمسعود، وتعطى ولاية العهد لسلجوقشاه، بمعنى أنه عند وفاة الملك مسعود يتولَّى سلجوقشاه، وليس أحدٌ من أبناء السلطان مسعود [2] .

ووجد الخليفة أن هذا الحلَّ أفضل من سيطرة السلطان سنجر، وعلى ذلك وافق على هذا الرأي، وقُطعت خطبة السلطان سنجر من العراق، وصارت إلى السلطان مسعود!

واقترب السلطان سنجر أكثر وأكثر من بغداد، وهنا اضطر السلطان مسعود وأخوه الملك سلجوقشاه أن يجتمعا على حرب عمِّهما السلطان سنجر، مع العلم أن أخاهما طغرل في جيش السلطان سنجر!

وكانت موقعةً عجيبة، تقاتلت فيها أعداد هائلة؛ حيث وصلت جيوش السلطان سنجر إلى مائة ألف فارس أو يزيد، وكانت الغلبة فيها بوضوح للسلطان سنجر، الذي استدعى الملك مسعود بعد هزيمته، فلما رآه قبَّله وأكرمه، وعاتبه على عصيانه، ثم أعاده إلى كنجة في بلاد فارس، ووضع ابن أخيه طغرل في كرسيِّ السلطنة، دون اعتبار بالطبع لرأي الخليفة، الذي اضطرَّ أن يُعطيه السلطنة وهو كاره. وهكذا صار سلطان العراق وفارس هو السلطان طغرل، وذلك تحت رعاية السلطان سنجر! وكانت هذه الوقعة العسكريَّة في 8 من رجب سنة 526هـ\ 1132م [3] .

فهل هدأت الأحداث بهذه الزعامة الجديدة للسلطان طغرل؟!

أبدًا، إن الفتنة لم تقف! فقلوب الجميع تغلي بالمشاكل، وكلُّ واحد من هؤلاء تشغله هموم شتَّى، والأفكار تتزاحم في عقله، وتعالَوْا نأخذ استراحة سريعة بعد هذه الصدامات؛ لنرى الوضع في أخريات هذه السنة، خاصَّة أن هناك أحداثًا مهمَّة عاصرت هذه الفتنة لا بُدَّ من التعليق عليها، فلنرقب معًا هذه الملحوظات العشر:

(1) (البقرة: 216) .

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 263.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 263 - 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت