الصفحة 323 من 390

بالطبع هو أسر الملك هيو الثاني، وجرحه جراحة خطيرة ثم ترحيله إلى صقلية، حيث مات هناك بعد قليل [1] .

ومع أن الشرع النصراني يقضي بإمكانية أن يُطَلِّق الملك فولك الأنجوي زوجته لثبوت الخيانة الزوجيَّة عليها، إلاَّ أن الملك فولك الأنجوي كان يعلم أن تطليقها يعني ذهاب المُلْكِ؛ لأنه يحكم بيت المقدس انتسابًا لبنت الملك الراحل بلدوين الثاني، وعليه فحتَّى لو حُوكِمَت الملكة ميلزاند، فإن الحكم سينتقل إلى إحدى أخواتها، وبالتبعية إلى زوجها؛ ومن هنا آثر الملك فولك الأنجوي أن يغضَّ الطرف، وأن يأمر زوجته أن تستغفر لذنبها! بل إنه بدأ يسترضيها بشكل مبالغ فيه؛ لأنها أظهرت الغضب الشديد عليه لقتله عشيقها [2] !

ومن هذه المبالغات التي فعلها الملك فولك الأنجوي أنه اضطر لموافقة الملكة ميلزاند على إعادة أختها الأميرة أليس إلى حكم أنطاكية بدلًا من الأمير رينو ماسوير [3] ! وبهذا لم يتنازل الملك فولك الأنجوي عن كرامته فقط، بل تنازل أيضًا في مسألة الأميرة أليس - والتي كان صارمًا جدًّا فيها قبل ذلك - عن أمن وسلامة أنطاكية حين وافق على إمارة الأميرة الطموحة أليس، هذا بالإضافة طبعًا إلى تنازله تمامًا عن نخوته كرجل، أو فطرته كإنسان!

إذن كان الوضع في أواخر سنة 526هـ يبشِّر بتصدُّع داخلي في الصفِّ الصليبي، ولولا انشغال المسلمين بأزماتهم الداخليَّة في العراق لكان الوضع مختلفًا تمامًا، ولْيُدْرِك المسلمون الأثمان الباهظة التي تدفعها الأُمَّة نتيجة الفُرقة والتشتُّت.

أمَّا بالنسبة لبطلنا عماد الدين زنكي فقد اضطرَّ أن يمكث بجيشه في الموصل قرب الأحداث الساخنة في بغداد، حيث إن هذه الأحداث من الممكن أن تُغَيِّر كل الأنظمة والأوضاع، واكتفى بمناوشات بسيطة مع الصليبيين عن طريق أمير حلب الأمير سوار [4] ، وهو أمير من أمراء دمشق الذين هربوا منها سنة 524هـ، فاستقطبه عماد الدين زنكي، وأقطعه حلب وأعمالها، وكان من المجاهدين الأشداء، الذين أبلَوْا بلاءً حسنًا في منصبهم طيلة حياة عماد الدين زنكي.

ولْنَعُدْ إلى موقفنا المعقَّد في العراق!

إن الأمور لم تهدأ بطبيعة الحال؛ لقد ترك السلطان سنجر ابن أخيه السلطان طغرل في كرسي السلطنة وعاد إلى خراسان، ولا شكَّ أن هذا أضعف موقفه، وأطمع المتنافسين فيه! وكان السلطان طغرل يتَّخذ من همذان مقرًّا له، فقام الملك داود بن محمود ومعه أتابكه والمتصرِّف في شئونه آقسنقر الأحمديلي بالثورة على السلطان طغرل، وجمعا الجيوش، وحدث تصادم بين القوَّتين في رمضان سنة

(4) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 269،268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت