الصفحة 324 من 390

526هـ بالقرب من همذان، وانتهى الأمر بهزيمة الملك داود، واستقرار الأمر من جديد للسلطان طغرل.

ولكنَّ الأمر لم يقف عند هذا الحدِّ، فقد رحل الملك داود إلى بغداد، والتقى بالخليفة المسترشد بالله الذي أكرم وفادته، واستقبله استقبالًا كبيرًا، وأنزله بدار السلطان، وإن لم يخلع عليه لقب السلطنة؛ فهو الآن ضعيف مهزوم [1] !

سمع بهذه الأحداث الملك مسعود، وكان يرى أنه أحقُّ الناس بالسلطنة؛ لأنه أكبر الإخوة، وعلى الأقلِّ فهو أحقُّ من السلطان الحالي طغرل أخيه الأصغر، فذهب مسرعًا إلى بغداد، والتقى بالخليفة المسترشد وبالملك داود، واتفق معهما على أن يخلع الخليفةُ عليه لقب السلطان على أن يكون داود بن محمود وليَّ عهد له، وبذلك ينفذ المخطط القديم الذي كان بين الخليفة المسترشد بالله والملك مسعود مع اختلاف ولاية العهد، فإنها ستكون لداود بدلًا من الملك سلجوقشاه!

وجمع الملك مسعود والملك داود جيوشهما، وتصادما مع جيش الملك طغرل في أكثر من موضع في بلاد فارس، وانتصر الملك مسعود، وبالتالي أخذ لقب السلطنة، وكان هذا في أواخر سنة 527هـ، حيث أخذت الأحداث المؤسفة السابقة عامًا كاملًا [2] .

وفي ظلِّ هذه الأزمات المتتالية كان إسماعيل بن بوري حاكم دمشق الفاسد يرقب الأحداث، ومن ثَمَّ باغت مدينة حماة التي كانت تتبع عماد الدين زنكي، فحاصرها حصارًا شديدًا، وانتهى الأمر بإسقاطها لصالحه، وكانت خسارة كبيرة جدًّا للإمارة الزنكية الناشئة [3] ؛ لأن حماة مركز مهمٌّ للانطلاق نحو دمشق، كما أنها مركز مهمٌّ أيضًا لحرب إمارة طرابلس، لكن على فداحة هذه الحادثة إلاَّ أنها كانت متوقَّعة؛ نتيجة الخلل الأمني الخطير من جرَّاء صراعات السلاطين والملوك السلاجقة!

ومع ذلك فالأمير المحنَّك عماد الدين زنكي لم يكفّ عن إرسال السرايا لحرب الصليبيين؛ وذلك ليمنعهم من الطمع في بلاد المسلمين نتيجة الفتن المتتالية بالعراق، وكان القائم بهذه الحملات العسكريَّة في المعظم هو سوار أمير حلب؛ ومن ذلك مهاجمته لمدينة تلِّ باشر التابعة لإمارة الرها في جمادى الآخرة سنة 527هـ، وانتصاره على الصليبيين مع قتل ألف منهم، هذا غير الغنائم الكثيرة التي ظفر بها، وفوق ذلك فقد جنَّد سوار عدَّة فرق من التركمان من أرض الجزيرة، واستغلَّهم في الهجوم على إمارتي أنطاكية وطرابلس، وحقَّق عدَّة انتصارات هنا وهناك، وقتلوا عددًا كبيرًا من

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 267،266.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 270،269.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 271،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت