الصفحة 325 من 390

الصليبيين، وغنموا غنائم أخرى [1] . ولم يكن الهدف من هذه المعارك هو تحرير هذه الإمارات؛ لأن القوَّة الإسلاميَّة لم تكن كافية لذلك، ولكن كان الهدف الرئيسي هو قطع طمع الصليبيين في حلب وما حولها، وذلك إلى أن تنتهي فتنة العراق، ويتفرغ عماد الدين زنكي لمشروعه الجهاديِّ من جديد. ومن هذا المنظور فقد نجحت هذه الحملات نجاحًا كبيرًا، وإن لم تفلح في تحرير قلعة أو مدينة!

ثم نعود إلى قصتنا في العراق وفارس!

نحن الآن في سنة 528هـ وكرسي السلطنة مع الملك مسعود، لكن هذا - ولا شكَّ - لن يُرضِي السلطان المخلوع طغرل، الذي ما زال يتلقَّى معونات السلطان سنجر من بعيد! ولهذا فقد جمع السلطان طغرل قوَّته من هنا وهناك، وأغرى الملك داود بن محمد بالانفصال عن السلطان مسعود، وحدث ذلك بالفعل، بل واستقطب بعض الفرق من جيش السلطان مسعود بنفسه، ودارت معارك في أرض فارس بين الأخوين طغرل ومسعود، وانتهى الأمر بانتصار السلطان طغرل من جديد على أخيه السلطان مسعود، وبذلك عاد كرسي السلطنة مرَّة أخرى إلى السلطان طغرل [2] !

لقد دخل المسلمون في تِيهِ الصراعات والفتن، فأصبح أمرًا عاديًّا أن يتقاتل الإخوة، وتتصارع الجيوش الإسلاميَّة مع بعضها البعض، وأصبح أيضًا أمرًا مألوفًا أن ينتقل كرسي السلطنة من واحد إلى آخر كل عدَّة أشهر، وكأنه منصبٌ عادي بسيط لا يؤثِّر في مسيرة أُمَّة كاملة!

ولا شكَّ أنه في ظلِّ هذه الظروف سيطمع كل مَن كان في قلبه مرض، وكان أشدّ الناس معاناة في هذا الموضوع هو عماد الدين زنكي رحمه الله؛ فقد تعب كثيرًا من أجل توحيد المسلمين في كيان واحد يصلح لجهاد الصليبيين، ثم ها هو يرى بعينيه أن الكيان ينهار أمامه، وأن السلاطين المسلمين يتصارعون معًا بدلًا من توحيد القوة في اتجاه صحيح، بل ويستقطب كل واحد منهم طائفة من المسلمين فيستعديها على الأخرى؛ ومن هنا ظهرت القلاقل في كل مكان، وبدأت الأحوال تضطرب في داخل الإمارة الزنكيَّة الواسعة، وشعر الناس أن عماد الدين زنكي مضطر للانتظار حتى يرى نتيجة صراع السلاطين، وكان عماد الدين زنكي نفسه متحرِّجًا من المشاركة في هذه الصراعات، فنجده قابعًا بجيشه في الموصل منتظرًا لاستقرار الأحداث، غير أنها كانت لا تستقرُّ!

في هذه الظروف قامت عدَّة انقلابات في مناطق الأكراد الحميدية والهكارية في شمال وشمال شرق الموصل، وكانت هذه المناطق - كما بيَّنَّا قبل ذلك - قد خضعت لحكم عماد الدين زنكي، ولكنهم في ظلِّ هذه الاضطرابات طمعوا في الانفصال عن الإمارة الزنكيَّة، بل وبدءوا في الإغارة على حقول الفلاَّحين وأسواق التجَّار؛ مما أحدث فزعًا كبيرًا في الموصل، ولكن عماد الدين زنكي تعامل

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 271،272.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 274،273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت