فهرس الكتاب
مع الموضوع بمنتهى الحزم، فأخذ فرقة من جيشه، واتجه إليهم بنفسه، وبعد عدَّة صدامات في جبالهم الوعرة استطاع بفضل الله أن يقمعهم، ويُسيطر على متمرِّديهم، ويمتلك عدَّة قلاع وحصون لهم في أعالي جبالهم (صورة 8) ، وما هي إلاَّ عدَّة أشهر حتى عاد الأمن من جديد، واستقرَّت الأوضاع [1] .
ثم ما لبثت المشاكل أن ظهرت في منطقة جديدة هي منطقة الجزيرة وأراضي ديار بكر؛ حيث وجد الزعماء هناك أن الأوضاع المستقبلة في العراق - التي شغلت عماد الدين زنكي بشكل كبير - ما هي إلاَّ فرصة لهم ليعيدوا السيطرة على ما ضمَّه عماد الدين زنكي قبل ذلك إلى إمارته.
وإذا نظرنا إلى وضع هذه المناطق فإننا - كما ذكرنا من قبلُ - سنجد أن فيها قياداتٍ كثيرةً، وزعامات متعددة، لكن كل هذه الزعامات لا وزن لها، اللهم إلا ثلاثة يمثِّلون أكبر قوَّة في هذه المناطق، وهؤلاء الثلاثة هم:
1 -حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي، وهو أمير ماردين.
2 -ركن الدولة داود بن سقمان (ابن عم الأول) ، وهو أمير حصن كيفا.
3 -سعد الدولة أبو منصور إيكلدي، صاحب آمد.
وهؤلاء هم الثلاثة الذين اشتركوا قبل ذلك في سنة 524هـ، أي منذ أربع سنوات، في حربٍ ضدَّ عماد الدين زنكي، وهي موقعة دارا [2] .
وجد عماد الدين زنكي رحمه الله أن تجمُّع هؤلاء من جديد سيمثِّل عائقًا كبيرًا لمشروع الوَحدة، خاصَّة في الظروف التي يمرُّ بها الآن؛ حيث الأوضاع المضطربة في العراق وفارس، وحيث الانقلابات المتكرِّرة في مناطق الأكراد، وحيث الهجمات الصليبية المتوقَّعة في منطقة حلب وما حولها، ومن ثَمَّ فإنه لا بُدَّ من التعامل مع هذه المشاكل الجديدة بشيءٍ من الحسم وسرعة القرار [3] .
وجد عماد الدين زنكي أن قتال هؤلاء الزعماء مجتمعين سوف يؤدِّي إلى خسائر كبيرة، ومن ثَمَّ قرَّر أن يسلك الطريق السياسي لتفتيت اتحادهم، واستقطاب بعضهم؛ لتنتهي المشكلة بأقلِّ خسائر ممكنة. وعند النظر إلى شخصيات وإمكانيات هؤلاء الزعماء، فإنه وجد أن ركن الدولة داود شديد التصلُّب ويتَّصف بالعِنْد، أما سعد الدولة أبو منصور إيكلدي فهو ضعيف، وإمكانياته محدودة، ويبقى حسام الدين تمرتاش فهو صاحب قوَّة كبيرة، وإن كان هو شخصيًّا يتميَّز بالمرونة السياسيَّة، كما أنه - كما وصف ابن الأثير - يحبُّ الدِّعَةَ والرفاهية [4] ! وعلى ذلك ففرصة التوحُّد مع حسام الدين تمرتاش وإغراؤه بفكِّ التحالف مع هؤلاء الضعفاء، وجعل تحالفه مع عماد الدين زنكي شخصيًّا
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 276،275.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 255.
(3) انظر: محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص111.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 227.