فهرس الكتاب
قد تكون فكرة صائبة. ومن هنا بدأ عماد الدين زنكي رحمه الله يتقرب من حسام الدين تمرتاش، فأوقف التحرُّكات العسكريَّة ناحية بلاده، وأرسل له بعض الهدايا، مع تذكيره بأهمية الوَحْدة بين المسلمين، وإغرائه باتساع ملكه في حال التوحُّد معه. ووجد هذا الأمر قبولًا سريعًا عند حسام الدين تمرتاش، ووجد في صداقة عماد الدين زنكي أكبر النفع عن صداقته مع ركن الدولة داود أو سعد الدولة إيكلدي، فتجاوب مع تقرُّب عماد الدين زنكي، ثم ما لبث الأمر أن وصل إلى تحالفٍ سياسي معلن، وتوحيد القوَّتين في كيان واحد، وبدأ عماد الدين زنكي وحليفه حسام الدين تمرتاش في بسط السيطرة على المناطق المحيطة، وجُوبهوا - بلا شكٍّ - بمقاومة من الزعيمين الآخرين، إلاَّ أنهما انتصرا في أول الصدامات، وتمَّ الاستيلاء على قلعة من أهمِّ قلاع ركن الدولة داود، وهي قلعة الصَّوْر قرب ماردين، وأهداها عماد الدين زنكي إلى حليفه الجديد حسام الدين تمرتاش؛ تأكيدًا على الحلف الذي بينهما [1] .
هكذا استطاع عماد الدين زنكي بسياسته أن يوظِّف حسام الدين تمرتاش لصالحه، وأن لا يكتفي فقط بضمِّ أراضٍ جديدة لإمارته، بل ويرسِّخ الأمن فيها دون أن يعرِّض قوَّاته لخطر كبير.
ونترك إقليم الجزيرة وديار بكر، ونترك الإمارة كلها لنرحل رحلة سريعة في عقل بطلنا عماد الدين زنكي!
إن الأحداث الجارية في الأُمَّة الآن تكشف طبيعة الرجال ومعادنهم، كما تكشف قوَّتهم وإمكانياتهم. فما هي الرؤية الصائبة في هذه الأحداث؟ وما هو ردُّ الفعل المناسب الذي من المفترض أن يتعامل به عماد الدين مع الأحداث؟
إنه اعتاد - كما كان يفعل أبوه من قبل - أن يكون ولاؤه لسلطان السلاجقة؛ لأنه هو الأقوى، وهو الذي يتحكم فعليًّا في الأمور، وهو الذي يتحمَّس لقضايا المسلمين ويتحرَّك إليها. إنه اعتاد على ذلك منذ زمنٍ، لكن شتَّان بين سلاطين الأمس وسلاطين اليوم! أين الثَّرى من الثُّريَّا؟!
أين مجموعة السلاطين المتصارعة الآن من ألب أرسلان أو ملكشاه أو بركياروق أو محمد؟ حتى السلطان محمود - على صغر سنِّه - كانت له رؤيةٌ، وكانت له طموحات جيدة للأُمَّة الإسلامية، كما أنه كانت له قوَّة يستطيع بها أن يتغلب على منافسيه، ومن ثَمَّ تستقرُّ أوضاع البلاد، وتتفرغ إلى همومها الخارجيَّة، وعلى رأسها قضية الصليبيين.
أما هؤلاء السلاطين الأقزام فعلامَ يتقاتلون؟!
هل يستطيع أحدٌ أن يقول: إن هذا القتال لله - عز وجل -؟!
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 274، وأسامة بن منقذ: الاعتبار ص199 - 201، وأسامة بن منقذ حضر فتح الحص فهو كشاهد العيان.