الصفحة 328 من 390

بل هل يستطيع أحد أن يجزم أن الحقَّ في الصراع مع هذا الطرف دون غيره؟!

إن المعاصرين للحدث أنفسهم كانوا لا يستطيعون أن يجزموا أن فلانًا على حقٍّ، وغيره على باطل! ولذلك ترى الزعماء والأمراء والجنود والشعوب كثيرًا ما تنقلب من طاعة سلطان إلى طاعة غيره، وليس ذلك لضعف في الأخلاق أو المبادئ، ولكن لضعفٍ في الرؤية والتحليل.

ثم إن كل السلاطين ضعفاء! أو على الأقلِّ قوَّتهم متكافئة؛ فيصعد سلطان على الكرسيِّ عدَّة أشهر، وأحيانًا عدَّة أيام، ثم يخلعه غيره! ويُنادى بالسلطنة لفلان في بلد، ويُنادى بها لغيره في بلد مجاور، ويقف الخليفة اليوم مع سلطان، ويقف غدًا مع سلطان ثانٍ، وقد يقف بعد غدٍ مع سلطان ثالث!

إنها فتنة تترك الحليم حيرانَ!

لقد شهدت السنوات الثلاث التي أعقبت موت السلطان محمود ولاية داود، ثم مسعود، ثم طغرل، ثم مسعود، ثم الآن طغرل! ولا يعلم أحد كيف يكون الغد؟!

أهذا أمر يُعقل؟!

ثم إن الخليفة الطموح المسترشد بالله صار طرفًا في الصراع، وله جيش مؤثِّر، وإن لم يكن كبيرًا جدًّا، بحيث يفرض على الجميع كلمته، لكنه أصبح من عناصر التأثير المحسوبة في المعادلة، فهل سيأتي زمنٌ يحمل فيه الخليفة مهامَّ الخلافة كما يحمل اسمها؟!

إنه سؤال صعب في وسط هذه المتغيِّرات الكثيرة!

ولنتجوَّل في عقل بطلنا عماد الدين زنكي!

مع أيِّ هذه القوى ينضمُّ؟ وأيُّ هذه القوى يناصر؟ وأي القوى أعظم؟!

لقد كان يقف مع الملك مسعود في البداية؛ لأنه الأخ الأكبر من الإخوة المتصارعين، ويبدو أنه كان أقرب إلى السلطنة. أما الآن فقد كشفت الصراعات أن الجميع ضعيف، وأن الجميع من طلاَّب الدنيا، وإن حَسُنت أخلاقهم، ورقَّت طبائعهم. فهل يُكمِل المسيرة مع السلطان مسعود؟ أم يُوَجِّه عونه إلى سلطان آخر؟ أم يقف مع الخليفة؟!

إن الأمر جِدُّ محيِّر!!

بل محيِّر جدًّا.

أتدرون وجه الحيرة في المسألة؟!

إن الحيرة ليست فقط في الاختيار بين المتنازعين، ولكن الحيرة في شيء أعظم!

لقد أثبتت الأيام أن عماد الدين زنكي أقوى من الجميع!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت