الصفحة 329 من 390

إنه أقوى من كل سلاطين هذه الأيام، وكذلك أقوى من الخليفة العباسي!! إنه ليس فقط أقوى أخلاقيًّا أو عقائديًّا، لكنه أقوى كذلك ماديًّا وعسكريًّا، وهو أقوى أيضًا في فَهْمه وعقله ورؤيته. إنه الوحيد الذي جعل من قضية الصليبيين قضية حياته، والوحيد الذي حمل على أكتافه مهمة توحيد المسلمين، والوحيد الذي كان يستشير الفقهاء والعلماء فيما يفعل وفيما يختار.

ثم إنه أقوى كذلك في حبِّ الناس له؛ إنَّ قلوب المسلمين في كل مكان تهفو إليه، ويتناقل الجميع أخباره بشغفٍ وحب ولهفة، ولا يختلف عليه اثنان من عموم الشعوب، لكن مَن مِن الناس يتعلق بأحد هؤلاء السلاطين؟! إن وجود طغرل لا يفرق كثيرًا عن مسعود! وسلجوقشاه لا يختلف كثيرًا عن داود! ولو ظهرت شخصية رابعة أو خامسة أو عاشرة فلن يفرق هذا كثيرًا مع الناس!

إن هذا هو الواقع الحقيقي، فلماذا لا يُصبِح عماد الدين زنكي هو القوة الأولى في العالم الإسلامي، ويصبح قائمًا بما يجب أن يقوم به السلطان؟!

إنه سؤال جريء!

ولكنه سؤال واقعي!

إن الإجابة المحزنة قد تكون: إنه ليس سلجوقيًّا! فكيف يقوم مقامه؟!

وهل لا بد للسلطان أن يكون سلجوقيًّا؟!

وهل لا بد للخليفة أن يكون عباسيًّا؟!

وهل لا بد للحكم أن يكون توارثيًّا؟!

إنها أسئلة جريئة، لكن الإجابة عليها ستكشف لنا أخطاء كثيرة وقعت فيها الأمة في كثير من فترات حياتها.

إنني لا أمانع أن يتولى الابن بعد الأب حكم البلاد، إن كان الابن كملكشاه الذي تولى الحكم بعد أبيه ألب أرسلان.

إن هذا توارث غير مخلٍّ بقواعد الشريعة، ولا آداب الحكم وأصوله.

إن الحاكم المسلم لا بد أن تتوافر فيه صفات كثيرة من العلم والقوة وحسن الخلق وتوقير الشريعة والكفاءة في الإدارة وحسن السياسة، وغير ذلك من صفات لا بد أن يتحلى بها الحاكم، فإن توافرت هذه الصفات في الابن أو الأخ فلا مانع من أن يتولى بعد أبيه أو أخيه. أما أن يتولى حكم المسلمين فقط لأن مؤهلاته هي القرابة من الحاكم، فهذا لا يجوز شرعًا ولا عقلًا!

لقد كانت فترة السلاجقة فترةً مهمَّة في حياة الأمة الإسلامية، وذلك أيام طغرل بك مؤسِّس الدولة ثم ألب أرسلان وملكشاه وغيرهم من السلاطين الأقوياء، لقد كانت فترة مهمة رفعوا فيها راية الإسلام عالية، لكن إذا ضعف أمرهم فلا بد أن يحمل الراية آخرون، ولا يُضحَّى أبدًا بالأمة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت