الصفحة 330 من 390

سبيل أشخاص، والله - عز وجل - يقول: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [1] . وكما ذهب المُلْك من يد أقوامٍ إلى السلاجقة، فلا بد أن يأتي يوم ويذهب المُلْك من يد السلاجقة إلى غيرهم.

ويبدو أن هذا"الغير"في هذه الأيام سيكون عماد الدين زنكي!

إن رصيد عماد الدين زنكي من الجهاد والخبرة والمواهب والكفاءة يرشِّحه لهذا المنصب الرفيع دون منافس حقيقي في زمانه، وإلا فمَن مِن الأسماء المتصارعة يدانيه في ملكاته؟ خاصةً أنهم جميعًا من صغار السن قليلي الخبرة؛ فالسلطان مسعود - وهو أكبرهم - لم يتجاوز في سنة 528هـ السادسة والعشرين من عمره، بينما يبلغ عماد الدين زنكي من العمر الآن الحادية والخمسين من العمر! إنه رجلٌ عركته التجارب، ودرَّبته الخطوب والأحداث، وشهد القريب والبعيد ببراعته، وعرف الجميع قوته، ولو ملك أمر المسلمين فإنهم جميعًا سيسعدون به، ويكونون طوع كلمته.

لكن ماذا يفعل عماد الدين زنكي الآن؟!

هل يُعلِن الثورة وينفصل بإمارته عن الجميع؟

أم يقف بقوته مع أحد الضعفاء فيصبح هذا الضعيف قويًّا به؟

إن إعلانه الثورة قد يفتح نيران السلاجقة أجمعين؛ لأنه ليس سلجوقيًّا، وبذلك تدخل البلاد في تِيهِ الصراعات.

وكذلك وقوفه بجوار أحد الضعفاء سيقوِّي مركزه على حساب غيره، وسيصعد هذا الضعيف على كرسيٍّ لا يناسبه، وإلى مقام لا ينبغي أن يصل إليه، وفي هذا خداع للناس، وخيانة للأمانة.

كما أن قضية الصليبيين ستُنسى تمامًا في خضم هذه المعارك الداخلية المقيتة!

ماذا يفعل عماد الدين زنكي؟!

إنه يريد أن يُغلِق هذا الملف تمامًا ليتفرغ إلى قضية الصليبييين، وليعيد البسمة إلى شفاه المسلمين المعذَّبين، والمجروحين في كرامتهم، والمطرودين من ديارهم وأرضهم.

فأين الطريق في هذه المتاهات المخيفة؟!

لقد فكَّر عماد الدين زنكي كثيرًا ثم أخذ قراره!

لقد قرر أن يعيش قصته"وكأنه"منفصلٌ عن السلطنة والخلافة، لكنه لن يُعلِن الانفصال لكي لا يثير الغضب، ويحرِّك الفتن.

(1) (آل عمران: 140) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت