فهرس الكتاب
إنه سوف يضع هؤلاء الضعفاء جميعًا خلف ظهره، حتى لو استقر الأمر لأحدهم، فهم سيأخذونه إلى الدنيا التي يريدونها إذا سار خلفهم، أما هو فسيقود الأمة إلى عزِّها ومجدها، وقبل ذلك وبعده إلى رضاء ربِّها.
إن في عنقه أمانة ثقيلة، ولا يريد أن يضيِّع وقته في جدال طويل، أو في صراع عقيم.
إنه لن يُعلِن الآن أنه الزعيم الأول الذي يجب أن يُتبع، وقد لا يعلن ذلك مطلقًا، ولكنه سيعمل بعمل الرجل الأول، وفي نفس الوقت فهو سيتلطَّف قدر ما يستطيع مع أشباه الزعماء الذين يعاصرونه؛ ليتجنَّب أذاهم، أو عرقلتهم لمشروعه الكبير!
إنه سيجعل ساحة عمله في المنطقة التي حددها السلطان الراحل محمود في منشوره لعماد الدين زنكي، وهي مناطق الموصل والجزيرة والشام، ولن يلتفت إلى مناطق الصراعات السلجوقية والعباسية، وهي مناطق بغداد ووسط العراق وفارس وغيرها، وخاصةً أن وَحْدة الموصل والجزيرة والشام قادرة بإذن الله على فعل شيء ذي قيمة مع الصليبيين، ومن أدرانا؟! فلعل هذا الجهد من عماد الدين زنكي يستكمله غيره فيوسِّع دوائر الوحدة، ويعزُّ الأمة أكثر وأكثر، ولقد كان مُلْك طغرل بك أو ألب أرسلان صغيرًا جدًّا بالقياس إلى مُلْك الابن ملكشاه، ولكن هكذا دومًا الأمور، تنمو بتدرج!!
ثم في النهاية، إنَّ عماد الدين زنكي يعمل لله - عز وجل - كما تدل على ذلك الشواهد الكثيرة التي ذكرناها قبل ذلك، وهذا الذي يعمل لله لن يضيِّعه الله - عز وجل -، ولو لم ير ثمار عمله؛ فإن الله - عز وجل - يحفظ له أجرها يوم القيامة، وهذا منتهى آمال المؤمنين.
لقد كانت هذه هي الأفكار التي جالت في ذهن البطل عماد الدين زنكي، وهذه هي الرؤية التي بَصُرها بعد جَهْدٍ عميق، وبعد فتنة استمرت حتى الآن ثلاث سنوات، ولا يعلم أحد إلا الله متى ستنتهي.
وعلى ذلك فقد بدأ عماد الدين زنكي في سياسته الجديدة فورًا، وهي سياسة تلطيف العَلاقات دون وعد صريح بالوقوف إلى جانب طرف دون طرف.
وبدأ عماد الدين زنكي بالخليفة المسترشد بالله، خاصةً أنه كان هناك صدام مع هذا الخليفة منذ سنتين يوم أنْ كان عماد الدين زنكي مناصرًا للملك مسعود؛ وأرسل عماد الدين زنكي الهدايا للخليفة، بل وأرسل ابنه الأكبر سيف الدين غازي ليؤكِّد طاعته للخليفة وولاءَه له وتقديره لمكانته، فاطمأنت بذلك نفس الخليفة، وتبادل مع عماد الدين زنكي الهدايا [1] .
(1) ابن الأثير: الباهر ص48،47.