فهرس الكتاب
وفي مطلع سنة 529هـ، وبينما عماد الدين زنكي رحمه الله يرتِّب أوراقه ليرى كيفية التعامل مع الوضع الجديد للسلاطين؛ حيث كان طغرل على كرسيِّ السلطنة منذ عدة أشهر، وصل نبأ عجيب! لقد تُوفِّي طغرل فجأةً في المحرم من هذه السنة وهو في السادسة والعشرين من عمره! وهكذا تحرَّك الملك مسعود بسرعة، وجمع الأعوان، واعتلى كرسي السلطنة [1] !
لقد خلا الجو لمسعود ليكون السلطان الجديد، خاصةً أن داود بن محمود قد ضعفت قوته جدًّا بعد قتل أتابكه (مربِّيه) آقسنقر الأحمديلي، ويقال أنَّ الذي قتله هو مسعود عن طريق الباطنيَّة. كما أن السلطان سنجر قد شعر بعدم إمكانية الخوض في صراع فارس والعراق بعد موت مرشَّحه للسلطنة الملك طغرل، أما سلجوقشاه فكانت قوَّته أضعف من الجميع. وهكذا وصل السلطان مسعود إلى الحكم لا لكونه مستحقًّا، ولكن لخلوِّ الساحة من الآخرين، وكان من الواضح أن الدولة السلجوقيَّة في نزعها الأخير!
في نفس هذا الوقت وصلت إلى عماد الدين زنكي استغاثة عجيبة من دمشق! لقد أرسل زعيمها الفاسد شمس الملوك إسماعيل بن بوري استغاثة إلى عماد الدين زنكي يطلب منه أن يأتي ويتسلَّم مدينة دمشق! وأصل الحكاية أن شمس الملوك إسماعيل أظهر من الفساد ما لا يُتوقع، حتى إنَّه قتل أخاه سونج بالجوع! حيث حبسه في بيتٍ وتركه عدَّة أيام حتى مات من الجوع. ثم إنه بدأ يُصادر أموال الناس، وينهب أملاكهم، حتى إنه لم يكن يتردد عن نهب الحقير من الأشياء، وكان لا يمتنع عن سرقة أموال الفقراء، فضجَّ الناس كلهم أجمعون، واعترض عليه بعض الأعوان فقتلهم، ثم أظهر عدم التردُّد في قتل كل معارض؛ مما أحدث اضطرابًا عنيفًا في دمشق، وحتى وصل الأمر إلى أن شمس الملوك إسماعيل صار يخاف على نفسه تمامًا، وتوقع انتقامًا قريبًا من الناس، وبدأ يخشى حتى من أشدِّ مقربيه، وشعر أنه سيُقتل بين لحظة وأخرى؛ وهذا دفعه إلى الاستغاثة بعماد الدين زنكي الرجل الأول في العالم الإسلامي آنذاك، وعرض عليه أن يتسلم المدينة في نظير حمايته، بل إنه هدَّد من شدة خوفه أنه إن لم يأت مسرعًا فإنه سوف يسلِّم المدينة إلى الصليبيين [2] !
وجد عماد الدين زنكي أن هذه فرصة ثمينة لضمِّ دمشق إلى مملكته، وتوجه فورًا من الموصل إلى مدينة دمشق، غير أنه في طريقه إليها وجد فرصة سانحة لضم مدينة الرَّقَّة إلى كيانه الموحَّد. ومدينة الرقة هي مدينة من مدن إقليم الجزيرة، وهي قريبة من حرَّان، وتقع شرق الفرات، وأفلح فعلًا في ضم المدينة [3] ، ولكن هذا عطَّله قليلًا، فوصل إلى دمشق متأخرًا نسبيًّا، فوجد أن شمس الملوك إسماعيل قد
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 278.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 278،279.
(3) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 257.