فهرس الكتاب
قُتل، وقد جاءته مؤامرة القتل من حيث لا يحتسب! حيث إن الذي دبَّرت محاولة قتله هي: أمُّه!! وهذا من أعجب الأمور في التاريخ حيث تسعى أمٌّ إلى التآمر لقتل ابنها الملك؛ وذلك لأنه من شدة فساده كان يدبِّر لقتل أمِّه، فسارعت هي بقتله! فلما قُتِل شمس الملوك تولى من بعده أخوه شهاب الدين محمود بن بوري، واتفق أهل دمشق على طاعته [1] .
حاصر عماد الدين زنكي دمشق محاولًا ضمها، لكنها استعصت عليه، وأصرت على عدم الانضمام لوَحْدة المسلمين، وتحصن أهلها في الحصون المختلفة، وتولى الدفاع عن دمشق شخصية عسكرية خطيرة سيكون لها شأن في تاريخ دمشق، وهو معين الدين أَنُر، وهو من مماليك طغتكين أمير دمشق الراحل [2] ، وكان معين الدين أنر رجلًا عسكريًّا فذًّا، غير أنه كان نفعيًّا إلى أكبر درجة، ولم يكن يمانع من استخدام أي وسيلة لتثبيت قدمه في منصبه، وسوف يصل الأمر معه إلى التعاون المباشر مع الصليبيين.
في هذه الأثناء حدثت تطورات ساخنة في العراق حيث راودت الخليفة المسترشد بالله الأحلام في الاستقلال عن الدولة السلجوقية، خاصةً بعد أن أغراه الملك داود بن محمود بالاتحاد معه لحرب عمِّه السلطان مسعود؛ فجهَّز الخليفة جيوشه وبدأ يستعد لحرب مباشرة مع السلطان الجديد مسعود [3] !
وعلى الساحة الشاميَّة وجد عماد الدين زنكي أن فرصة إسقاط دمشق ضعيفة جدًّا، وأنه في ظل الأوضاع المتقلبة التي تعاني منها الأمة الإسلامية لن يستطيع أن يمكث طويلًا أمام أسوار دمشق. ثم إنه وجد أن حماة الآن قد خلت من الحاميات القوية نظرًا لسحب معظم الطاقة العسكرية التي كانت بها إلى دمشق لمواجهة الأوضاع الجديدة هناك، وكان قد مرَّ بنا أن شمس الملوك إسماعيل ضم حماة إلى دمشق في أثناء الصراعات الدائرة في العراق، وذلك منذ ثلاث سنوات؛ ومن هنا فإن عماد الدين زنكي استغل الفرصة، وترك دمشق الحصينة، وتوجه إلى مدينة حماة، واستطاع أن يعيد امتلاكها [4] ، وتوجه منها إلى حمص، وحاصرها كذلك، إلا أن حمص الحصينة قاومت بقيادة قريش بن خيرخان، وبالتالي تعذَّر عليه ضم هذه المدينة المهمَّة، فعاد منها إلى حلب [5] .
في غضون هذه الأحداث وصلت الأخبار بالصدام المؤسف بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود في العاشر من رمضان سنة (529هـ) يونيو 1135م، وكان النصر حليفًا
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 279، وابن العديم: زبدة حلب 257،256.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 280،279، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص391.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 282،281.
(4) ابن العديم: زبدة حلب 1/ 258،275.
(5) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص398،397.