الصفحة 334 من 390

للسلطان مسعود، وتم أسر الخليفة المسترشد بالله، ولم يُقتل في هذه المعركة أي إنسان! وتم التحفُّظ على الخليفة في همذان، وهي المقر الرئيسي للسلطان مسعود.

كانت نتيجة مؤسفة جدًّا للخليفة العباسي، واضطر الخليفة إلى قبول الصلح المذل مع السلطان مسعود؛ إذ كان الصلح يقضي بأن يدفع الخليفة مبلغ أربعمائة ألف دينار للسلطان مسعود، وأن لا يعود لتجميع العساكر أبدًا، وأن لا يخرج من داره، فضلًا عن إقرار السلطان مسعود في كرسيِّ السلطنة!

قَبِل الخليفة الوضع الجديد، وبينما هو يتأهب للرحيل والعودة إلى بغداد حدث أمرٌ أشد أسفًا من كل ما سبق؛ إذ دخل عليه أربعة وعشرون رجلًا من الباطنيَّة في خيمته وقطَّعوه إربًا!! وكان ذلك في السابع عشر من ذي القعدة من سنة 529هـ [1] .

ترامت الأنباء أن السلطان مسعود هو الذي حضَّ على قتل الخليفة؛ لأنه لم يكن يأمن له حتى بعد إقراره ببنود الصلح القاسية، ومع ذلك فقد بويع لابنه أبي جعفر المنصور الملقَّب بالراشد بالله [2] ، لكن كان من الواضح أن المنطقة أصبحت على مِرْجَلٍ يغلي بعنفٍ، خاصةً أن السلطان مسعود لم يكتف بذلك، بل توجَّه لحرب ابن أخيه داود بن محمود، الذي كان قد تحالف مع المسترشد بالله ضدَّه [3] !

كان عماد الدين زنكي في أثناء هذه الكوارث مشغولًا بما هو أهم وأعظم، فقد توجه إلى حلب وذلك بعد ضم حماة، وفشله في ضم حمص، وهناك بدأ يخطِّط للهجوم على أنطاكية مستغلاًّ حالة الاضطراب العسكري هناك، خاصةً وهو يعلم أنها الآن تحت الحكم المباشر للأميرة المتهورة أليس! ولكي يضمن عماد الدين زنكي رحمه الله أن لا تصل نجدة إلى إمارة أنطاكية من إمارة الرها القريبة، أرسل أمير حلب سوار ليهاجم مدن تلِّ باشر وعَيْنتاب وعَزاز، وبذلك قطع طرق الاتصال بين الرها وأنطاكية، وشعل جيوش الرها بنفسها، فلا تصبح لها فرصة في التوجُّه إلى أنطاكية.

بعد هذا التخطيط بدأ عماد الدين زنكي رحمه الله في مهاجمة الحصون والقلاع الواقعة في أطراف إمارة أنطاكية، وكذلك المدن الإسلامية المحتلة في هذه المنطقة، وبعد عدة معارك متتالية استطاع بطلنا أن يحرر كفرطاب ومعرَّة النعمان وزردنا، فكانت هذه الانتصارات بمنزلة البَلْسم على الجروح الإسلاميَّة الكثيرة في هذه الفترة [4] !

أثارت هذه الانتصارات المتكررة انتباه الجميع، سواء من الصليبيين أو من المسلمين!

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 281 - 283.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 283، وابن الجوزي: المنتظم 10/ 55.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 288.

(4) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 261،260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت