الصفحة 335 من 390

فعلى الصعيد الصليبي ألقت هذه الانتصارات الرعب في قلب أليس أميرة أنطاكية، فلجأت إلى رعونة جديدة! فلقد أرسلت الأميرة أليس إلى إمبراطور الدولة البيزنطية تعرض عليه زواج ابنتها كونستانس من ابن الإمبراطور يوحنا ألكسيوس كومنين [1] ، وبالتالي الإشراف المباشر من الدولة البيزنطية الأرثوذكسية على أنطاكية الكاثوليكية!

وكانت خطوة هزت الصليبيين من الأعماق، فهم يحاولون دفع الدولة البيزنطية عن أنطاكية منذ ما يقرب من أربعين سنة، ثم في لحظة واحدة ستُضيِّع هذه الأميرة الطائشة كل جهود الصليبيين! ثار الصليبيون في أنطاكية بشدة، وتراسلوا مع الملك فولك الأنجوي الذي لم يجد حلاًّ إلا أن يزوِّج الأميرة الصغيرة كونستانس - التي لم تبلغ العاشرة بعدُ - من شخصية موالية له، وتصلح أن تقود إمارة أنطاكية، ووقع اختياره على الأمير ريموند بواتييه [2] ، وهو أحد أبناء الأمير وليم التاسع دوق أكويتانيا، وكان أميرًا فرنسيًّا يعيش في بلاط هنري الأول ملك إنجلترا في ذلك الوقت، فاستدعاه على عجل، وجاء الأمير ريموند بواتييه، وتزوج من كونستانس، وصار بذلك أميرًا لأنطاكية، وكان هذا الأمير من القوة بحيث أعاد من جديد تنظيم الأوضاع داخل أنطاكية، وبالتالي عُزلت الأميرة المتمردة أليس عن الأحداث، فآثرت أن تذهب إلى اللاذقية، حيث ماتت هناك بعد قليل [3] !

كان هذا على الصعيد الصليبي.

أما على الصعيد الإسلامي فإنَّ انتصارات عماد الدين زنكي أثارت ردود فعل متباينة في العالم الإسلام، فبينما تلقَّت الشعوب الإسلامية، وكذلك العلماء والفقهاء والصالحون من أبناء الأمة هذه الأخبار بالفرح والسرور [4] ، وازدياد الأمل في الخروج من الأزمة، إذا بآخرين يتلقون هذه الأنباء بقلق بالغ وعصبية زائدة!

لقد شعر السلطان مسعود بالقلق الشديد من انتصارات البطل عماد الدين زنكي، وتنامى عنده القلق من أكثر من وجه:

أولًا: كان عماد الدين زنكي على علاقة طيبة بالخليفة المسترشد في أيامه الأخيرة، وقد يثور لحادث قتله، خاصةً أن عموم الناس يتناقلون أن السلطان مسعود هو الذي دفع الباطنية لقتل الخليفة.

ثانيًا: هذه الانتصارات المتتالية رفعت عماد الدين زنكي جدًّا في عيون المسلمين فصار أثقل من كل السلاطين، ولا يستبعد أبدًا أن يستقل عماد الدين زنكي بكل المناطق التي يحكمها، وقد

(3) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 434.

(4) يعلق ابن الأثير فيقول: وفرح المسلمون بذلك فرحًا عظيمًا انظر: الكامل في التاريخ 9/ 291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت