الصفحة 336 من 390

استقل غيره قبل ذلك بمدنهم مع أنهم أضعف منه جدًّا؛ فهذه دمشق يحكمها أولاد طغتكين، وهذه حمص يحكمها أولاد خيرخان، وهذه شيزر يحكمها أولاد منقذ، وهكذا.

ثالثًا: المشروع التوحيدي الذي يقوم به عماد الدين زنكي واضح للجميع، فهو قد نجح في ضم الموصل إلى حلب إلى حماة، فضلًا عن عدد كبير من مدن الجزيرة، وأقام علاقات قوية مع الأكراد، وكذلك مع حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي، وهو زعيم الأراتقة، ولا يستبعد أن يستمر عماد الدين زنكي في مشروعه التوحيدي هذا على حساب بقيَّة المدن الإسلامية، وقد يصل الأمر إلى التوجُّه إلى بغداد ذاتها، أو إلى أرض فارس حيث معاقل السلاجقة.

رابعًا: أعداء السلطان مسعود كُثُر، وعلى رأسهم ابن أخيه داود بن محمود وأخوه سلجوقشاه، وكذلك عمه السلطان سنجر، فماذا يحدث لو تحالف أحد هؤلاء مع عماد الدين زنكي ضد السلطان مسعود؟!

هذه الأسباب مجتمعة جعلت السلطان مسعود يفكر في فعل خبيث غير متوقع من رجل يُوصف بحسن الخُلُق، وهو أخذ القرار الآثم بقتل عماد الدين زنكي!!!

إنه لن يكتفي بعزله، حيث سيظل موجودًا على الساحة كأقوى منافس له، ولكنه سيستريح منه نهائيًّا بقتله، غير عابئٍ بأحلام المسلمين، ولا جهاد الصليبيين، ولا توحيد الأمة الإسلامية!

إنها النظرة الأنانية البحتة التي نرى الكون كله يدور حول مركز السلطان، وبالتالي فهو يريد تسخير كل الأحداث لخدمته هو شخصيًّا، مهما كانت النتائج.

ومع هذا التدبير الخبيث إلا أن الله - عز وجل - كان رحيمًا بعباده؛ لقد جعل الله - عز وجل - نجاة عماد الدين زنكي في رجل عجيب ما توقَّع أحدٌ أن يأتي خير من ورائه!

إنه دُبَيْس بن صَدَقة!

إنه هذا الزعيم الشيعي الفاسد الذي استنقذه عماد الدين زنكي قبل ذلك بعدة سنوات من أسر بوري بن طغتكين له، وعامله بالحسنى، وقرَّبه وأكرمه، فحفظ الجميل لعماد الدين زنكي! لقد كان هذا الرجل في بلاط السلطان مسعود حيث كان منضمًّا إليه في حرب الخليفة؛ لأننا نعرف مدى الصراع الذي كان بين دبيس والخليفة المسترشد بالله. ثم إنه اطَّلع على هذه النية الفاسدة من السلطان مسعود، وعرف أن تدبير جريمة القتل سيكون عن طريق استدعاء عماد الدين زنكي إلى بلاط السلطان في همذان، ثم اغتياله على حين غِرَّة؛ فأسرع بإرسال رسالة عاجلة إلى عماد الدين زنكي يخبره بالمؤامرة، ويحذِّره من القدوم على بلاط السلطان!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت