الصفحة 337 من 390

وسبحان الله! فقد علم السلطان مسعود أن دبيس بن صدقة هو الذي كشف مؤامرته، وضيَّع فرصة اغتيال عماد الدين زنكي رحمه الله، فقام بقتل دبيس بن صدقة على الفور! وهنا قال عماد الدين زنكي كلمته المشهورة:"فديناه بالمال، ففدانا بالروح!" [1] .

لقد كانت هذه إرادة الله - عز وجل - أن يحفظ حياة عماد الدين زنكي عدة سنوات أخرى؛ لأنه سبحانه كان يدَّخره لأعمال أخرى جليلة.

ومع حدوث مثل هذا الموقف المقزز، وتعرض عماد الدين زنكي وهو في أوج نشاطه في جهاد الصليبيين لطعنة في ظهره إلا أنه ظل مهتمًّا بمشروعه الجهادي، ولم يُرِدْ لنفسه أن تغوص قدمه في الصراعات الدنيوية التي يشعلها السلاطين بينهم وبين بعضهم البعض، ومع ذلك فتعرضه هو شخصيًّا إلى محاولة اغتيال سيدفعه دفعًا على عدم إهمال الأحداث، وإلى محاولة دفع الضرر دون الانغماس في مشاكلهم المركَّبة!

إن الوضع في العراق الآن ملتهب جدًّا؛ لقد بويع للراشد بالله ابن المسترشد بالله شريطة ألاَّ يُجهِّز الجيوش، وألاَّ يحارب السلطان مسعود، ولكن كان من الصعب على الخليفة الجديد أن يتجاهل قول الجميع بأن الذي دفع الباطنية لقتل أبيه هو السلطان مسعود، إضافةً إلى اجتماع كثير من الأمراء الذي خشوا من عنف السلطان مسعود على ترك مسعود والتوجُّه للخليفة الراشد بالله، وكذلك فعل الملوك داود بن محمود الذي يبحث عن سلطنته الضائعة!! لقد قرر هؤلاء جميعًا أن يقاتلوا السلطان مسعود من جديد، وعليه فقد تجمعت قوتهم في بغداد بينما كان السلطان مسعود في همذان [2] !

قرأ عماد الدين زنكي هذه الأحداث، فقرر أن يكون قريبًا دون أن يغرق في مستنقع الصراع، وعليه فقد اقترب إلى الموصل ليكون على أهبة الاستعداد إذا جدَّ جديد، بينما أعلن بوضوح أنه في صفِّ الراشد بالله [3] ، ولم يكن يستطيع أحد أن ينكر هذا الولاء الجديد للخليفة بعد معرفة مؤامرة السلطان مسعود لقتل البطل عماد الدين زنكي.

دارت المعارك في بغداد بين جيش الخليفة الراشد بالله وأعوانه من الأمراء وكذلك داود بن محمود، وبين السلطان مسعود، وكانت الغلبة في هذه المعارك للسلطان مسعود الذي دخل بغداد عنوة، واضطر الخليفة الراشد بالله أن يهرب في اتجاه الشمال حيث استقبله عماد الدين زنكي في الموصل ترقبًا لما يحدث في بغداد [4] .

(1) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 250.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 289،288.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 289،288.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 291،292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت