فهرس الكتاب
اجتمع السلطان مسعود مع أعيان العباسيين في بغداد، وكان يريد أن يخلع الخليفة الراشد بالله؛ لأنه خالف الاتفاق المعقود بينهما على عدم قتال السلطان، وأن يضع خليفة غيره يجتمع عليه الناس، وفي ذات الوقت يطيع السلطان مسعود، ومن ثَمَّ لا يتجدد الصراع. وقد وقع اختيار العباسيين - وأقرهم السلطان مسعود - على رجل فاضل محبوب له سيرة حسنة، ويحب العدل، ومن ثَمَّ تهدأ الأمور في البلاد، وكان هذا الرجل هو أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وهو أخو الخليفة المقتول المسترشد بالله، وعمّ الخليفة المخلوع الراشد بالله، وقد لُقِّب بعد خلافته بلقب"المقتفي لأمر الله"، واستقر له الأمر بعد ذلك أكثر من أربعٍ وعشرين سنة، ومن ثَمَّ هدأت أمور بغداد كثيرًا، وكان هذا الأمر في أواخر سنة 530هـ (ذي الحجة 530هـ\ سبتمبر 1136م) [1] .
أما البطل عماد الدين زنكي، فإنه لم يجعل هذه الأحداث الساخنة تلهيه عن أهدافه الكبرى؛ ولذلك فعلى الرغم من انتصار مسعود وتمكُّنه من السلطنة إلا أن عماد الدين زنكي لم يُشغِل نفسه لا كثيرًا ولا قليلًا بالانتقام لنفسه من مسعود الذي كان يدبر قتله، مع أن قوته العسكرية ومكانته في قلوب الناس كانت تمكنه من الانتقام من السلطان مسعود، إلا أنه لم يكن يريد أن يتشتت في معارك جانبية، وكان يريد ألا ينسى دومًا القضيتين العظيمتين في حياته، وهما: وحدة المسلمين، وجهاد الصليبيين.
وعلى هذا فقد عمل عماد الدين زنكي في هذه الفترة، في أواخر 530هـ وأوائل 531هـ في أربعة محاور رئيسية وهي:
المحور الأول: إقامة علاقات طيبة مع الخليفة المقتفي بالله؛ لضمان عدم حدوث قلاقل مع الكيان العباسي، وإن لم يكن بالقوة المخوِّفة، لكن كان من الواضح من سير الأحداث أن المسلمين ما زالوا يهتمون برأي الخليفة وتزكيته حتى مع ضعفه، إضافةً إلى ما اشتهر به الخليفة الجديد من حُسْن السيرة والعدل وحبِّ الناس له [2] .
المحور الثاني: توسيع الإمارة الزنكية في اتجاه الجزيرة بالتعاون مع حسام الدين تمرتاش، وقد قام الحليفان عماد الدين زنكي وحسام الدين تمرتاش بالهجوم المشترك على جبل جور ومنطقة السيوان، وهذه مناطق تقع في شمال ديار بكر، مما يعني التوسع الكبير في أراضي الجزيرة، وهذا دفع المقاومين لهذا المشروع التوحيدي أن يهدءوا كثيرًا، ومن ثَمَّ استقرت الأوضاع جدًّا في مناطق الجزيرة، وهذا أعطى فرصة لعماد الدين زنكي للتفرغ للصليبيين [3] .
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 293،292، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 66،65.
(2) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص443، وابن الصلاح: مفرج الكروب 1/ 67 - 71.
(3) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص119.