فهرس الكتاب
المحور الثالث: هو مدينة حمص، التي تمثِّل عقبة في طريق دمشق، وكذلك تمثل نقطة ضعف في ظهر عماد الدين زنكي إذا أراد الهجوم على أنطاكية أو طرابلس، ومن ثَمَّ كرر عماد الدين زنكي محاولاته في حصار المدينة، ولكنه لم ينجح في فتحها، إلا أن هذه المحاولات هزَّت صاحبها قريش بن خيرخان فاضطر إلى تسليم المدينة لشهاب الدين محمود صاحب دمشق؛ ليساعده في الدفاع عنها ضد عماد الدين زنكي، وعندها وضع شهاب الدين عليها أقوى أمرائه وأصلبهم معين الدين أَنُر [1] .
المحور الرابع: وهو أهم المحاور، وهو محور الصليبيين، وقد حرص عماد الدين زنكي على ألا يتركهم يأخذون فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم، فكان دائم المباغتة لهم، ومن ذلك ما فعلوه في منطقة اللاذقية من نصر عظيم على القوات الصليبية وتدمير كبير لحصونهم هناك، وقتل عدد كبير من جنودهم، وكذلك أسر أكثر من سبعة آلاف صليبي دفعة واحدة، مع أخذ ما لا يقدر من الغنائم، ويكفي أن الدواب المغنومة كانت أكثر من مائة ألف رأس من الخيول والبغال والحمير والبقر والغنم! هذا سوى الأقمشة والحليِّ والبضائع مما يخرج - كما يقول ابن الأثير - عن الحد!
لقد كان نصرًا عظيمًا حقًّا أعاد للمسلمين الكثير من الثقة، وكان ذلك في شهر شعبان سنة 530هـ [2] .
ومع كون عماد الدين زنكي مشغولًا في هذه المحاور مجتمعة إلا أنه حرص على تأمين ظهره تحسُّبًا من أي غدر من ناحية السلطان مسعود، وهذا دفعه إلى ضم مدينة دقوقا، وهي مدينة تقع بين مدينتي إربل وبغداد، أي أنها تقع في جنوب شرق الموصل، وبذلك تصبح مدينة تفصل بينه وبين أملاك السلطان مسعود، ليكتشف تحركاته قبل أن يباغت في الموصل، وكان ضم هذه المدينة في أوائل سنة 531هـ [3] .
ثم إن الله - عز وجل - مهَّد لعماد الدين زنكي بإضعاف قوة الصليبيين عن طريق حملة قام بها أحد زعماء جيش دمشق واسمه بزواش، حيث أراد أن يقوم بشيء مثل الذي يقوم به عماد الدين زنكي، مع أن الدمشقيين كانوا لا يمانعون إذا اقتضت الحاجة أن يتعاونوا مع الصليبيين! وسنرى قريبًا مثالًا لهذا التعاون، لكن الذي حدث أن هذا القائد أخذ فرقة من جيشه، وساعده كثيرٌ من التركمان من المنطقة ومن ديار بكر، وقاوموا بإغارة سريعة على إمارة طرابلس، فخرج لهم بونز بن برترام أمير طرابلس، ودار قتال كبير حقق فيه المسلمون نصرًا كبيرًا بجوار قلعة الصنجيل التي أسَّسها ريمون الرابع
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 298.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 291.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 300.