فهرس الكتاب
جَدُّ بونز، وحدثت مفاجأة في هذا القتال إذ قُتِل بونز بن برترام أمير طرابلس! كما أسر عدد كبير من جنوده، هذا فضلًا عن الغنائم الوفيرة [1] .
لقد سرت روح الجهاد التي نفثها عماد الدين زنكي في الأمة حتى تحرك جيش لم يعقد أبدًا على الجهاد في هذه الفترة ليحقق هذا الإنجاز الكبير، ويُضعِف بذلك من قوة إمارة طرابلس جدًّا، بل ومن قوة الصليبيين جميعًا.
وقد تولى حكم إمارة طرابلس بعد قتل أميرها ابنه ريمون الثاني، ليبدأ حكمه بأزمة عسكرية وسياسية كبيرة. قد تمت هذه المعركة في رجب من سنة 531هـ\ مارس 1137م.
ولقد كانت هذه المعركة السابقة عجيبة في تاريخ الصراع الإسلامي- الصليبي؛ وذلك لأن قواد دمشق في ذلك الوقت يقتربون من الصليبيين، بل ويتراسلون معهم للدفاع المشترك ضد عماد الدين زنكي! مما يوحي أن هذه المعركة كانت محاولة فردية من أحد الفرق العسكرية الدمشقية قوَّاها وجود عدد كبير من المتطوعين التركمان مما أحدث هذا الأثر الكبير. لكن للأسف مع حدوث هذا النصر الكبير، وهذه النتائج المؤثرة إلا أن علاقة التعاون بين دمشق والصليبيين لم تنقطع حتى بعد هذه المعركة! مما يؤكد على أن هذا الصدام لم يكن يمثِّل توجهًا عسكريًّا للحكومة الدمشقية في هذا الوقت.
ويؤكد على ذلك ما حدث في الشهر التالي مباشرة، أي في شهر شعبان سنة 531هـ عندما حَصَر عماد الدين زنكي مدينة حمص، فقاومه بشدة أميرها معين الدين أَنُر، ولما شعر بأن مقاومته قد تنهار أسرع بالاستنجاد بأمراء الصليبيين، فجاءت نجدة صليبية على رأسها ملك بيت المقدس نفسه فولك الأنجوي، بل وكان فيها أيضًا ريمون الثاني الذي قُتل أبوه منذ أيام على أيدي الدمشقيين [2] ! وهكذا واجهت القوات الحمصية الدمشقية الصليبية المشتركة جيوش عماد الدين زنكي مما أجبره على رفع الحصار عن حمص، لكنَّ هذا الموقف أعطاه - وأعطى المسلمين جميعًا - رؤية واضحة عن طبيعة معين الدين أنر وشهاب الدين محمود. وهذه المواقف - على بشاعتها - تكشف الأوراق، وتوضِّح الخبايا. وليس من شكٍّ أن الزعيم المسلم الذي تؤيده قوى الاحتلال هو زعيم عميل لا إخلاص عنده للقضية، ولا يعمل إلا لنفسه، وليس من أمل فيه لنصر المسلمين.
غير أن عماد الدين زنكي وجد قدوم الصليبيين إلى هذه المنطقة المتقدمة في الشام فرصة لقتالهم، خاصةً أن جيش طرابلس القريب قد تعرض لهزيمة قريبة، وقتل زعيمه الخبير بونز بن برترام، كما أن فولك يأتي من أماكن بعيدة، وقد يكون من الصعب عليه أن ينسحب إلى مكان آمن؛ ولهذا
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 298،
(2) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 261.