فهرس الكتاب
قرر عماد الدين زنكي أن يستدرج الجيوش الصليبية للحرب بعيدًا عن أسوار حمص، وفي نفس الوقت فإنه كان يريد أن يضغط على الصليبيين ليختاروا طريق الحرب معه، ولا يفكروا بتجنُّب القتال والعودة لإماراتهم، فماذا يفعل؟!
لقد قرر عماد الدين زنكي أن يهاجم مَعْلمًا مهمًّا من معالم الصليبيين المهمة، والذي سيضطرون اضطرارًا إلى الدفاع عنه، ومن ثَمَّ قتال عماد الدين زنكي. وكان هذا المَعْلم هو حصن بعرين (بارين) الضخم على المنحدرات الشرقية لتلال النصيرية، والذي يحرس المنفذ المؤدِّي إلى منطقة البقيعة [1] .
إن هذا الحصن له أهمية بالغة حيث إن الذي سيسيطر عليه سيشرف تمامًا على حوض نهر العاصي، وبذلك سيمنع الاتصالات بين إمارة أنطاكية في الشمال، وإمارة طرابلس ومملكة بيت المقدس في الجنوب، كما أنه يشرف إشرافًا مباشرًا على حمص وحماة.
وهكذا اقتربت فعلًا الجيوش الصليبية لحماية حصن بارين المهم، الذي كان مملوكًا في هذا الوقت للصليبيين، وبه عدد كبير من الجنود الصليبيين.
وفي الساحات المجاورة لهذا الحصن، وفي شهر شوال سنة 531هـ\ يونيو سنة 1137م، دارت موقعة شهيرة من مواقع الإسلام (خريطة 28) !
إنها موقعة حصن بارين!!
إنها موقعة يشترك فيها رأسان مهمان من رءوس الصليبيين: الملك فولك الأنجوي ملك بيت المقدس، والأمير ريمون الثاني أمير طرابلس.
ودار القتال شديدًا عنيفًا، وتساقط القتلى هنا وهناك، وارتفعت سحب الغبار تغطِّي كل شيء، ثم ما لبث الغبار أن انقشع ليُسفِر عن النتيجة الحاسمة!
لقد انتصر المسلمون نصرًا مبينًا!
لقد قُتل معظم الجيش الصليبي، وأُسر معظم الذي بقي على قيد الحياة، وكان الأمير ريمون الثاني من أولئك الذين أسروا، أما الملك فولك الأنجوي فقد فرَّ هاربًا في فرقة من جيش إلى حصن بعرين المجاور [2] ، ثم أسرع الملك فولك الأنجوي بإرسال رسالة استغاثة عاجلة يطلب فيها من الأمير ريموند بواتييه أمير أنطاكية، ومن الأمير جوسلين الثاني أمير الرها أن يأتيا بسرعة على رأس جيوشهما لنجدة الجنود المحاصَرين في قلعة بارين الحصينة [3] .
(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص259،258.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 298.