الصفحة 342 من 390

وأسرع عماد الدين زنكي رحمه الله، وحاصر الحصن حصارًا محكمًا، فمنع عنه كل شيء، وضبط الطرق المؤدية إليه تمام الضبط، حتى انقطع الملك فولك تمامًا عن العالم الخارجي، وما عاد مدركًا لما يحدث في الخارج [1] .

أخذت المجانيق الإسلامية تقصف الحصن الضخم لَيْلَ نهار، وقد بدا واضحًا أن المسألة مسألة وقت، وأن الجيوش الصليبية المحصورة ليست عندها النية أن تخرج لحرب المسلمين إلا إذا جاءت لها نجدة كبيرة.

وبينما عماد الدين زنكي رحمه الله يحاصر الحصن العملاق وصلت الأخبار بتحرك جيش الرها وأنطاكية في اتجاه حصن بارين، بل ظهرت بوادر مفاجئة بتحرك جيوش الدولة البيزنطية صوب المنطقة، وهذا للمرة الأولى منذ بداية الحروب الصليبية!

لقد كان الموقف صعبًا حقيقةً؛ لأن جيوش الدولة البيزنطية كبيرة، وإذا اشتركت مع الجيوش الصليبية فقد يُحصر عماد الدين زنكي بينهم وبين الصليبيين الموجودين في حصن بارين، وهذا قد يُضيِّع مكاسب الانتصار السابق.

أما لماذا تدخلت الدولة البيزنطية فذلك لسببين:

أما السبب الأول فهو تحرك القساوسة والرهبان فورًا بعد حصر الملك فولك في حصن بارين، وذلك من إمارتي الرها وأنطاكية إلى البلاط البيزنطي، وناشدوا الإمبراطور البيزنطي التدخل لنجدة الجيش الصليبي المحصور في حصن بارين، ذاكرين له أنه إذا قتل الملك فولك فالطريق إلى بيت المقدس سيكون مفتوحًا للمسلمين [2] .

وأما السبب الثاني فهو غضب الإمبراطور البيزنطي من زواج الأميرة كونستانس ابنة الأميرة أليس من ريموند بواتييه، وذلك بعد أن عرضت الأميرة أليس زواج ابنتها على ابن الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين، إذ كيف يُعرض الزواج على ابن الإمبراطور ثم يُرغب في غيره، مع الأخذ في الاعتبار طبعًا أن هذا الزواج كان سيضع أنطاكية تحت الإشراف البيزنطي المباشر [3] .

وهكذا تطورت الأحداث لتنذر بمشكلة قد يقع فيها عماد الدين زنكي والمسلمون!

ماذا يفعل عماد الدين زنكي؟!

لقد استغل عماد الدين زنكي رحمه الله فرصة انقطاع الأخبار عن الملك فولك الأنجوي، وشدد جدًّا من قصف الحصن، على أمل أن يطلب الملك فولك التسليم بأيِّ شروط، فتنتهي مشكلة

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 299.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 299، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت