فهرس الكتاب
حصن بارين قبل قدوم القوات النصرانية المشتركة. وقد حدث فعلًا ما توقع البطل عماد الدين زنكي، وأرسل الملك فولك يطلب التفاوض من أجل فك الحصار [1] !
لقد كان الله - عز وجل - مع الجيش المسلم.
وليس الذي حدث هذا أمرًا غريبًا؛ فالله دومًا ينصر من نصره، يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [2] .
ووافق عماد الدين زنكي على التفاوض السريع، وهو يمنع في كل ذلك أي أخبار من الوصول إلى الملك فولك، ليتم الأمر على ما يريد عماد الدين زنكي. ووصل الطرفان فعلًا إلى اتفاق، حيث سيخرج الصليبيون من داخل الحصن آمنين، ويطلق سراح الأمير ريمون الثاني، وذلك في نظير أن يسلَّم حصن بارين الخطير للمسلمين، ويدفع الملك فولك مبلغ خمسين ألف دينار ذهبية.
وتم فعلًا تنفيذ الاتفاق، وتسلم المسلمون الحصن المهم، واحتفظوا بعدد كبير من الأسرى، وأطلق سراح الملك فولك ومن معه من جنود في داخل الحصن، وكذلك الأمير ريمون الثاني.
لقد أفلحت خطة عماد الدين زنكي، وندم الملك فولك ندمًا شديدًا بعد أن علم بتجمُّع الجيوش النصرانية، لكن لم يكن هناك حلٌ آخر أمامه [3] .
وقبل أن نذكر ما فعلته الجيوش البيزنطية والصليبية نعلِّق على ما فعله عماد الدين زنكي رحمه الله مع المسلمين بعد تحرير بعض المناطق المجاورة للحصن، فلقد جاء المسلمون الذين حُرِّرت أراضيهم يطلبونها، وذكرنا قبل ذلك في موضع آخر من الكتاب أنه وزَّع الأراضي على كل من كان معه إثبات بملكية الأرض، وذلك خلافًا للمذهب الحنفي الذي يتبعه؛ لأنه رأى أن ملاك الأراضي سيضيع حقهم دون ذنب منهم، غير أنه بقيت مجموعة من الملاك تطلب أرضها، لكنها - للأسف - فقدت أوراق ملكية هذه الأرض في أثناء الهروب من البلاد عند احتلالها، فلم تدرِ ماذا تفعل حيث ستضيع عليها الأراضي، وفي نفس الوقت فعماد الدين زنكي لا يستطيع تسليم أرض إلى إنسان دون دليل؛ خشية أن يكون مدعيًا، ثم يظهر بعد ذلك المالك الحقيقي للأرض، مع ملاحظة أن هذه الأراضي احتلت منذ حوالي أربعين سنة!
وانهمك بطلنا في المشكلة مع كثرة الهموم التي عليه، إلا أنه كان حزينًا لحيرة الناس، وللأزمة التي وقعوا فيها. ثم إنه فجأة وجد حلاًّ للموقف، إذ سرعان ما انتفض قائلًا:"اطلبوا دفاتر حلب، وكل من عليه خراج على مِلْكٍ يسلم إليه!" [4] .
(1) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 262.
(2) (الحج: 38) .
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 299،
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 299.