الصفحة 344 من 390

لقد أمر عماد الدين زنكي بفتح دفاتر تحصيل الخراج على هذه الأراضي، وهذه الأراضي كانت تابعة لمملكة حلب، فكان أصحابها إذا سددوا الخراج عنها إلى ملك حلب دُوِّن ذلك في الدفاتر، فإذا كان اسمه مدونًا عن أرض معينة فلا شك أنه كان يملكها!

ونجحت الفكرة، وتسلم الجميع أراضيه، ويعلِّق ابن الأثير على هذا العمل فيقول:"وهذا من أحسن الأفعال وأعدلها!" [1] .

إنه لشيء عظيم حقًّا أن يسعى الحاكم إلى إيصال كل حق إلى مستحقيه، حتى لو كلفه هذا جهدًا ووقتًا، وحتى لو كان هذا سيأتي على حساب الدولة؛ إذ إن الأراضي المجهولة كانت ستضم إلى بيت مال المسلمين، وإنه لشيء عظيم حقًّا أن يشغل عماد الدين زنكي نفسه بهذه القضايا، مع أن الجيوش الصليبية والبيزنطية على الأبواب، لكنه كان على يقين أن الله - عز وجل - ينصره لهذا العدل الذي يسعى إلى تطبيقه، فرحمه الله رحمه واسعة!

ماذا فعل الجيش البيزنطي؟!

لقد كان هدف الجيش البيزنطي الرئيسي هو البحث عن مصالحه! ولم تكن عنده الدوافع أبدًا لإنقاذ الملك فولك، أو الاهتمام بأمره، فالصراع بين البيزنطيين والصليبيين محتدم من أول أيام الحملة الصليبية [2] ؛ ولذلك فعين الإمبراطور يوحنا كومنين كانت في المقام الأول على أنطاكية وما حولها من أملاك بيزنطية قديمة، وأهمها إقليم قليقية وما فيه من مدن عريقة كالمصيصة وأذنة وطرسوس، والتي كانت في هذا التوقيت تحت سيطرة الأمير الأرمني ليون.

ومن هنا فإن الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين لم يكن من همِّه الإسراع إلى منطقة حصن بارين لاستعادة الحصن من المسلمين، ولكنه توجه بجيش كثيف إلى إقليم قليقية أولًا، ودُهِش الأرمن من القوات البيزنطية التي لم تظهر في هذه المناطق منذ عشرات السنين، وكان الذي دفع الإمبراطور البيزنطي إلى هذه الجرأة إحساسه أن الجيوش الصليبية تمر بأزمة كبيرة نتيجة اضطرابات الحكم المتكررة في أنطاكية، ونتيجة ضربات عماد الدين زنكي الموجعة؛ ولهذا أراد أن ينتهز الفرصة التي قد لا تتكرر بسهولة.

استطاع الإمبراطور البيزنطي بسهولة أن يحتل المدن الكبيرة في إقليم قليقية، وهرب الأمير الأرمني ليون إلى جبال طوروس، ولم تكن هناك مقاومة تُذكر، وهذا شجَّع الإمبراطور يوحنا كومنين

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 299.

(2) محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص139،138، سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت