الصفحة 346 من 390

أما ريموند بواتييه فكل ما يهمه هو أن يكون أميرًا، فهو أصلًا لم يتعب مطلقًا في إنشاء هذه الإمارة، بل جاء إليها من أوربا منذ سنتين فقط، ثم إن البديل الذي يطرحه الإمبراطور البيزنطي أفضل كثيرًا، فلا شك أن إمارة تضم مدنًا كحلب وحمص وشيزر وحماة ستكون إمارة قوية وعظيمة.

وهكذا وافق الطرفان راضين على هذه النتيجة، وكذلك أقرها فولك الأنجوي، ولا يخفى علينا أن هذا كان على غير رغبة النورمانيين الذين أنشئوا الإمارة الصليبية، خاصةً أن الذين أخذوا القرار سواء ريموند بواتييه أو فولك الأنجوي من الفرنسيين وليسوا من الإيطاليين.

ولقد حاول الإمبراطور البيزنطي أن يخادع عماد الدين زنكي رحمه الله، فأرسل له رسالة يبرر فيها دخوله للأراضي المجاورة لأنطاكية، بأنه ما دخل إلى بلاد المسلمين إلا لحرب الأرمن، وأنه لا ينوي بذلك قتاله [1] ، لكنَّ هذا الرد لم يكن مقنعًا لعماد الدين زنكي، ورأى أن عزة دولته تقتضي أن يأخذ ردَّ فعل مناسب، ولم يجد القائد العزيز عماد الدين زنكي ردًّا يناسب التعدي على حدود الدولة الإسلامية إلا الحل العسكري، وعليه فقد أرسل سرية من جيشه بقيادة أمير حلب سوار لمهاجمة الجيش البيزنطي. وبالفعل استطاع سوار أن يقتل عددًا كبيرًا من الجنود البيزنطيين، وأن يأسر مجموعة أخرى، مع أنه قوته كانت أصغر بكثير من قوة الجيش البيزنطي. ومع هذه الإهانة المباشرة للقوات البيزنطية إلا أن الإمبراطور لم يُرِدْ أن يدخل في مستنقع الحرب مع المسلمين، خاصةً وقد سمع الكثير عن بطلنا عماد الدين زنكي! ولهذا غضَّ الإمبراطور البيزنطي الطرف عن هذه الخسائر، وانطلق عائدًا إلى بلاده ليجهِّز عدَّة أكبر استعدادًا لحرب كبيرة في العام القادم [2] !

ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن هذه الاتفاقيات الصليبية البيزنطية لم تعلن في ذلك الوقت، ولم يعلم بها عماد الدين زنكي في حينها، ولكنه أدرك أن تعاونًا ما سيكون بين الدولة البيزنطية والصليبيين، وذلك بعد رؤية الأعلام البيزنطية فوق أسوار إمارة أنطاكية دون اعتراض يذكر من الصليبيين؛ ولهذا أمر عماد الدين زنكي بزيادة الاحتراز لتأمين الحدود الشمالية لإمارته والملاصقة لآسيا الصغرى، حيث يسيطر البيزنطيون الآن على إقليم قليقية، ويحتفظون هناك بحامية بيزنطية قوية.

ولا يخفى علينا أن هذه الانتصارات التي حققها عماد الدين زنكي، وهذا التفاعل القوي مع التعديات الصليبية والبيزنطية، وضعت بطلنا في الصدارة المطلقة لقوَّاد المسلمين في هذا العصر، خاصةً أن هذا المجد الكبير، وهذه العزة الواضحة تأتي في وقت ظهرت فيه أطماع السلاطين والأمراء والزعماء الآخرين بشكل واضح، وليس أدل على ضعف هؤلاء الزعماء من هذه الأحداث الدامية التي شهدتها أرض العراق وفارس في نفس الوقت الذي كان بطلنا عماد الدين زنكي يسعى لتوحيد

(1) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 263.

(2) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت