الصفحة 347 من 390

المسلمين لجهاد الصليبيين والبيزنطيين. وكانت الاشتباكات ما زالت دائرة في فارس والعراق بين السلطان مسعود وابن أخيه الملك داود بن محمود، على الرغم من كل الأحداث الكبرى التي رأيناها في أرض الشام [1] !

أما بالنسبة لعماد الدين زنكي فهو كان يشعر أن الصليبيين بالاشتراك مع البيزنطيين يدبِّرون لشيء كبير في أرض الشام؛ لذلك حاول البطل عماد الدين زنكي أن يسيطر على عدة حصون ومدن أخرى في منطقة الشام تسهِّل له قتال الأعداد عند اجتماعهم.

توجه عماد الدين زنكي إلى مدينة بعلبك اللبنانية ليحاول فتحها إلا أنها استعصت عليه لحصانتها، وكانت بعلبك تابعة لإمارة دمشق، فعرض صاحبها أن يهادنه في مقابل مبلغ من المال يدفعه لعماد الدين زنكي، فقَبِل عماد الدين زنكي ذلك ليحيِّد صفها، وينطلق إلى غيرها. وكان رحمه الله حاسمًا في قراراته وأفعاله، لا يعاند في البقاء محاصِرًا لمكان يقرب إلى تقديره أنه لا يُفتح.

انتقل عماد الدين زنكي رحمه الله من بعلبك إلى حصن المجدل، فاستطاع بعد جهد أن يفتحه وأن يضمه إلى إمارته، وكان تابعًا كذلك لإمارة دمشق، ثم انتقل منه إلى إحدى الأملاك الأخرى لنفس الإمارة وهي مدينة بانياس، فدخلت بسهولة في طاعته، وكانت هذه الأحداث في أوائل سنة (532هـ) أواخر 1137م [2] .

بعد هذه السيطرة الميدانية على معظم المناطق التابعة لإمارة دمشق لم يعُدْ أمام عماد الدين زنكي ليضم دمشق إلا أن يسيطر على حمص لأنها في الطريق بين حماة ودمشق؛ ولذلك فقد توجه عماد الدين زنكي مباشرة إلى حصار حمص، ولكن حمص أصرت على المقاومة وطال الحصار حتى كاد أهل حمص يفتحون الأبواب، لولا ورود الأخبار بأمر خطير دَهِم المسلمين في هذا التوقيت!

لقد وصلت إلى أرض الشام جيوش الإمبراطورية البيزنطية الهائلة، وعلى رأسها الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين، وقد جاءت تقصد مدينة حلب ذاتها؛ وذلك لتنفيذ الاتفاق الذي عُقِد في السنة الماضية بينهم وبين الأمير ريموند بوتييه أمير أنطاكية.

كانت الأخبار مفزعة؛ لأن سقوط حلب يهدم المشروع التوحيدي للأمة من أساسه، ويعيدنا من جديد لنقطة الصفر. وعلى ذلك فقد أمر عماد الدين زنكي أمير حلب سوار - وكان معه في حصار حمص - أن يترك الحصار، وأن يتوجه من فوره إلى مدينة حلب ليرفع من درجة استعدادها،

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 305،304.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 301، وابن العديم: زبدة حلب 264،263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت