فهرس الكتاب
وليقوِّي تحصيناتها، ويعمِّق خنادقها، ويطمئن أهلها أن المسلمين قادمون. وكانت هذه الأحداث في شهر رجب (532هـ) إبريل 1138م [1] .
وبمجرد نزول الجيش البيزنطي إلى أرض المسلمين انضمَّ له أمير أنطاكية ريموند بواتييه، وكذلك أمير الرها جوسلين الثاني، إضافةً إلى كتيبة من الداوية، واتجهت هذه الجيوش المجتمعة إلى مدينة البلاط، واحتلتها عنوة، ثم توجهت إلى مدينة بزاغة (وهي مدينة إسلامية حصينة تابعة لإمارة حلب) ، وقد أصرَّ الإمبراطور البيزنطي على إسقاطها لوجودها على الطريق الواصل بين حلب وآسيا الصغرى، وظل الحصار مدة سبعة أيام ثم تواصلت الرسل بين الطرفين، واتفقوا على أن تفتح المدينة أبوابها في نظير إعطاء الأمان لكل أهلها، وفتحت المدينة بالفعل أبوابها، ولكن الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين غدر بالمسلمين، وأمر بمذبحة رهيبة في المدنيين من أهل بزاعة، وقتل منهم خمسة آلاف وثمانمائة مسلم ومسلمة، وأخذ الباقين كأسرى وسبايا، وفرَّ بعض السكان إلى المغارات في الجبال، فأشعل الإمبراطور البيزنطي النيران في مداخل المغارات ليموت المسلمون في داخلها مختنقين! وكان سقوط بزاغة في 25 من رجب 532هـ [2] .
لقد كان غدرًا مشينًا من الإمبراطور الكبير!!
ومع ذلك فإن هذا الحصار لمدينة بزاغة، وهذا الوقت الذي أُنفق في قتل المسلمين وأسرهم، أعطى الفرصة الكافية لمدينة حلب أن ترفع من درجة استعدادها إلى الدرجة القصوى، وأن تتهيأ للجيوش القادمة تمام التهيُّؤ، وبذلك ضاع عنصر المفاجأة من الإمبراطور البيزنطي، الذي توجه بعد سقوط بُزَاعة إلى مدينة حلب [3] .
ماذا يفعل عماد الدين زنكي رحمه الله إزاء هذا الموقف العصيب؟!
تعالَوْا نستمتع بالأداء الراقي لعماد الدين زنكي في هذه المشكلة المعقَّدة، وندرس معًا منهجه في مواجهة هذه الأزمة الطارئة، وكيف كانت نظرته شمولية للأحداث، وكيف كانت رؤيته لمسرح العمليات رؤية عبقرية موفَّقة!
أولًا: تقوية تحصينات حلب إلى أقصى درجة، وإعادة أميرها الشجاع سوار إليها لتَقْوَى نفوس أهلها به [4] .
ثانيًا: ترك حامية صغيرة من جيشه حول حمص تناوش حاميتها؛ لكي لا تخرج هذه الحامية فتضرب عماد الدين زنكي في ظهره.
(1) ابن العديم: زبدة حلب 265،264.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302،301، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 265.
(3) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 264.
(4) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 78.