فهرس الكتاب
ثالثًا: تقدم عماد الدين زنكي بجيشه الرئيسي، ليقف به في موقف متوسط في الشام، في منطقة سَلَمْيَة إلى الشمال الشرقي من حمص، وذلك حتى تكون حركة سريعة إلى أيِّ نقطة في شمال الشام حسب تحركات الجيش البيزنطي.
رابعًا: أرسل عماد الدين زنكي رسالة عجيبة نادرة من نوعها، تدل في مضمونها على التجرُّد الشديد لله - عز وجل -، وعلى الفقه الواسع لهموم الأمة الإسلامية.
لقد أرسل بطلنا رسالة إلى السلطان مسعود - وكان في بغداد آنذاك - يستحثه على إرسال جيش كبير لنجدة المسلمين في حلب والشام [1] . وهذا يحمل دلالات كبيرة مهمة، فالبطل عماد الدين زنكي يتناسى في لحظة خلافاته مع السلطان مسعود من أجل مصلحة المسلمين، ويتناسى أن السلطان مسعودًا كان يدبِّر منذ سنتين مؤامرة لاغتياله، ويتناسى أن السلطان مسعودًا مشغولٌ منذ سبع سنوات - أي منذ وفاة السلطان محمود سنة 525هـ - في صراعات دنيوية لا وزن لها. إنه يتناسى كل هذه الأمور ليضم قوته إلى قوة السلطان مسعود لدفع الخطر عن المسلمين. وليس هذا فقط! بل إن القاضي كمال الدين الشهرزوري ذكر في منتهى الصراحة لعماد الدين زنكي أن السلطان مسعودًا إذا جاء بجيشه إلى الشام فإنه سيضمها إلى أملاكه هو، وستضيع زعامة عماد الدين زنكي، فردَّ عماد الدين زنكي ردًّا عجيبًا إذ قال:"إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق في الشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفار!" [2] . إن هذه الروح العجيبة، وهذا التجرد الجميل لمن أقوى أسباب نصر عماد الدين زنكي، وشتَّان بين رجل يعمل لله، وآخر يعمل لنفسه ومصالحه.
وهكذا أرسل عماد الدين زنكي وفدًا إلى بغداد لاستنهاض السلطان مسعود لنصرة المسلمين، وجعل على رأس هذا الوفد القاضي كمال الدين الشهرزوري بنفسه.
خامسًا: رسالة أخرى عجيبة أرسلها البطل المتجرد عماد الدين زنكي رحمه الله! وكانت هذه الرسالة إلى خصمه اللدود في أرض الجزيرة ركن الدولة داود بن سقمان الأرتقي [3] ! فعلى الرغم من الصدمات التي حدثت بين الفريقين في غضون السنوات العشر السابقة إلا أن عماد الدين زنكي يرى أن الظروف الحالية تحتِّم عليه أن يتناسى كل الصراعات القديمة، وأن يعمل على توحيد المسلمين في كيان واحد قادر على مواجهة الجموع الهائلة للبيزنطيين والصليبيين.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 303.
(2) ابن الأثير: الباهر ص62.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 303،302، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 80،79.