الصفحة 350 من 390

سادسًا: رسالة ثالثة مهمة أرسلها عماد الدين زنكي تدل على فقه عسكري دقيق للموقف، فلقد أرسل رسالة سريعة إلى زعماء المسلمين في آسيا الصغرى وهم: السلطان مسعود بن قلج أرسلان زعيم السلاجقة الروم، ومحمد بن غازي الدانشمندي زعيم بني الدانشمند يدعوهم للتوحُّد والهجوم على المدن الإسلامية المحتلة من البيزنطيين في آسيا الصغرى؛ وذلك لدفع الإمبراطور البيزنطي إلى العودة إلى آسيا الصغرى لدفع خطر المسلمين هناك [1] .

لقد كان تخطيطًا بارعًا رائعًا، يدل على عقلية عسكرية متميزة.

ماذا حدث على أرض الواقع؟!

لقد نزلت القوات النصرانية البيزنطية والصليبية حول أسوار مدينة حلب في 6 من شعبان سنة 532هـ، ففوجئت بالاستحكامات العسكرية القوية التي جهَّزها الجيش المسلم هناك؛ فالخنادق كثيرة وعميقة، والأسوار عالية وسميكة، والجيش المسلم متحفِّز، والسهام تنهال على الجيوش النصرانية من كل مكان، مما منع النصارى من الاقتراب من المدينة [2] .

ولم يكتفِ المسلمون بذلك، بل أخرج الأمير المسلم البطل سوار عدة سرايا من الجيش المسلم تقابل بعض الفرق المحاصِرة، فأخذتهم على حين غِرَّة، وقُتِل من الصليبيين والبيزنطيين خلق كثير، بل إن أحد كبار قساوستهم قُتل في أثناء هذه المعارك مما أزعجهم إزعاجًا شديدًا.

لقد وجد الإمبراطور البيزنطي أن حلب - بجيشها الشجاع وتحصيناتها المنيعة - حُلم بعيد المنال! وهذا دفعه إلى أن يقرِّر فجأةً، وبعد ثلاثة أيام فقط، أن يرفع الحصار تمامًا عن مدينة حلب الباسلة [3] !!

لقد عجزت الجيوش العملاقة أن تكسر إرادة المسلمين في حلب، ولعلنا نتذكر صبر الصليبيين على حصار أنطاكية قبل ذلك بأكثر من أربعين سنة، حيث صبروا على الحصار سبعة أشهر كاملة حتى سقطت المدينة، أما الآن فالجيوش النصرانية أضعاف الجيوش التي كانت تحاصِر أنطاكية، ومع ذلك لم يصبروا!!

ما السر في ذلك؟!

إن السر لا يكمن في طبيعة الجيوش النصرانية أو أعدادها، إنما يكمن في الأساس في طبيعة الجيش المسلم وقوته؛ فالمسلمون المحصورون في حلب مختلفون تمام الاختلاف عن المسلمين الذين حُصِروا قبل ذلك في أنطاكية، فقد ظهرت في هذه الأزمة نتيجة التربية الإيمانية والجهادية والعلمية

(1) سعيد محمود عمران: محاضرات في معالم التاريخ الإسلامي الوسيط ص209.

(2) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 78.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 266،265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت