فهرس الكتاب
والعسكرية التي بذل فيها عماد الدين زنكي الأوقات، وسخَّر من أجلها طاقات الأمراء والعلماء، فأفرزت هذا الجيش المسلم القوي، وهذا الشعب المسلم الصابر.
وترك الإمبراطور البيزنطي حلب يائسًا، واتجه إلى حصن الأثارب غرب حلب، وكانت به حامية إسلامية بسيطة، فآثرت أن تنسحب لأن احتمال هلكتها قريب، وبالتالي امتلك الإمبراطور البيزنطي حصن الأثارب، ووضع فيه أسرى وسبايا مدينة بزاغة، الذين كان الإمبراطور يستصحبهم معه في طريقه، ثم وضع معهم حامية بيزنطية [1] ، وأكمل طريقه غربًا وجنوبًا حيث احتل معرَّة النعمان وكفرطاب، ويَمَّم وجهه تجاه شيزر [2] !
ورأت الحامية الإسلامية في حلب أن الجيوش النصرانية قد رحلت عن المدينة، فأرسلوا خلفهم العيون لتعرف مسارهم. وأدرك الأمير سوار أمير حلب أن البيزنطيين تركوا الأسرى والسبايا المسلمين في حصن الأثارب، وتركوا معهم حامية بيزنطية صغيرة، فانتهز الفرصة، وخرج من حلب مسرعًا في فرقة من جيشه، وحاصر حصن الأثارب، ثم ما لبث أن أسقطه وقتل عددًا من جنود الحامية البيزنطية وأسر الباقي، وحرَّر كل الأسرى والسبايا المسلمين، وعاد بهم جميعًا إلى حلب [3] !
وارتفعت معنويات المسلمين إلى السماء، ووصلت الأخبار إلى جيش عماد الدين زنكي المرابض عند سَلَمْيَة، فازداد إصراره على الجهاد، وقويت نفوس الجند، وشعروا جميعًا بمعيَّة الله لهم.
أما الإمبراطور البيزنطي فقد آثر أن يتجه إلى شيزر (خريطة 29) لأنها إلى الآن إمارة مستقلة، وعلى رأسها سلطان بن منقذ، وهي ليست تابعة لعماد الدين زنكي، وبالتالي فإن الإمبراطور البيزنطي سيواجه إمارة ضعيفة نسبيًّا دون أن يستثير غضب الزعيم العنيد عماد الدين زنكي [4] !
هكذا ظنَّ الإمبراطور البيزنطي، ولكن الواقع كذَّب ظنونه!
لقد أرسل سلطان بن منقذ - مع رغبته الشديدة في الاحتفاظ باستقلاله عن عماد الدين زنكي - رسالة استغاثة عاجلة إلى عماد الدين زنكي، فلم يتردد عماد الدين زنكي لحظة، بل توجه بقوته الرئيسية فورًا لإنقاذ شيزر، وعبر نهر القويق (وهو أحد روافد نهر الفرات) ، وتجاوز مدينة حماة التابعة له، فجعلها في ظهره ليحتمي بحصونها إذا حدث تفوق للجيش البيزنطي، ثم تقدم في اتجاه شيزر حتى عسكر في منتصف الطريق بين شيزر وحماة، وأرسل العيون الاستخباراتية لتنقل له الأخبار [5] .
(1) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 266،265.
(2) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 267.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 266.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302.
(5) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 78.