فهرس الكتاب
جاءت الأخبار بعد قليل أن الجيوش النصرانية تخرج عن حد الإحصاء، وأنها أضعاف جيش عماد الدين زنكي، وأن البيزنطيين والصليبيين قد نصبوا ثمانية عشر منجنيقًا حول شيزر، هذا إضافةً إلى آلات الحصار الضخمة، وأن أعلام الجيوش النصرانية تشمل قوات الدولة البيزنطية وإمارة أنطاكية وإمارة الرها، إضافةً إلى كتيبة الداوية [1] !
علم عماد الدين زنكي من هذه الأخبار أن قتال هذه الجموع الهائلة قتالًا مفتوحًا أمرٌ غير مأمون؛ ولذلك عزم عماد الدين زنكي على اتِّباع سياسة أخرى في القتال، تضمن له نتائج أفضل. فماذا فعل بطلنا الموهوب؟!
لقد قرر أن يعمل في وقت واحد على عدة محاور:
المحور الأول: حرب الاستنزاف
وقد استخدم عماد الدين زنكي هذا الأسلوب لكي يتجنب الصدام مع القوة النصرانية بكاملها، فكان يُرسِل فرقة كبيرة من جيوشه تقترب من شيزر، فإذا رآها النصارى اقتربوا منها ليقاتلوها، فينسحب عماد الدين زنكي تدريجيًّا ليبعدهم عن القوة الرئيسية المحاصِرة لشيزر، ثم يصطدم بهم فيقتل منهم ويأسر [2] !
وظل يتبع هذا الأسلوب حتى أرهق الجيوش النصرانية دون أن يعطيها فرصة لقتاله قتالًا مفتوحًا.
المحور الثاني: هو قطع التموين عن الجيوش النصرانية
حيث أرسل فرقًا من جيشه تحاصِر الطرق خلف الجيش النصراني، وبذلك تمنعه من تحصيل المواد والمؤن بشكل ثابت؛ مما يؤدي مع مرور الوقت إلى ضائقة قد تمنع من إمكانية الجيش على الصبر فترة طويلة [3] .
المحور الثالث: محور الحرب النفسية
لقد راسل عماد الدين زنكي القوات المتحالفة، وأظهر لهم أن قوته ضخمة وكبيرة، وقال لهم في سخرية:"إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال، فاخرجوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن ظفرتم أخذتم شيزر، وإن ظفرنا بكم أرحتُ المسلمين من شرِّكم!" [4] .
ولقد كان عماد الدين زنكي يعلم أن قوته أضعف من قوتهم، ولم يكن له رغبة في خروجهم، ولكنه كان بهذه الكلمات يحطمهم نفسيًّا، ويشعرهم أن قوته أكبر من قوتهم، وأنه واثق
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302، وأسامة بن منقذ: الأعتبار ص145 - 147.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302.
(3) وليم الصوري: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 698،697.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 90302، والنويري: نهاية الإرب 27/ 126، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 81.