فهرس الكتاب
تمام الثقة من نفسه وجيشه، وكان هذا - ولا شك - ليرهبهم، وقد ظهرت هذه الرهبة بوضوح في كلمات الإمبراطور البيزنطي عندما أشار عليه بعض قادة الصليبيين أن يخرج لقتال عماد الدين زنكي، فقال في جزعٍ:"أتظنون أنه ليس من العسكر إلا ما ترون؟ إنما يريد أنكم تلقونه، فيجيء إليه من نجدات المسلمين ما لا حدَّ عليه" [1] . وهكذا أدَّى هذا الاستفزاز إلى إرهاب الإمبراطور البيزنطي، ومنعه من التفكير في التقدم جنوبًا.
المحور الرابع: فك الاتحاد بين قوات التحالف!
وقد قام عماد الدين زنكي في هذا الصدد بعمل رائع إذ أرسل خطابات إلى زعماء القوات الصليبية يُعلِمهم أن الإمبراطور البيزنطي إذا استولى على حصن واحد بالشام أخذ البلاد التي بأيديهم منه. ولا شك أن هذا الكلام وقع موقعه من الصليبيين لسابق العهد بسياسة الدولة البيزنطية، وذكَّرهم هذا بالصراع الطويل، والمنافسة المستمرة التي كانت بين الإمبراطور ألكسيوس كومنين أبي الإمبراطور يوحنا كومنين، وبين أسلافهم من زعماء الحملة الصليبية.
ولم يكتفِ عماد الدين زنكي بذلك، إنما أرسل رسالة إلى الإمبراطور البيزنطي نفسه يخبره أن الصليبيين في بلاد الشام خائفون منه، فلو فارق مكانه تخلَّوا عنه [2] ! وكانت هذه الكلمات تؤثر أيضًا في الإمبراطور البيزنطي؛ لأن تاريخ الصليبيين يشهد أنهم أخذوا أنطاكية ومدن إقليم قليقية على خلاف معاهدة القسطنطينية القديمة، مما يوحي أن الصليبيين قد يغدروا به إذا تم لهم الانتصار!
وهكذا ألقى عماد الدين زنكي الشك في قلوب المتحالفين، حتى صار كل طرف على وجل من الطرف الآخر، وهكذا فترت عزيمة الطرفين على إكمال القتال.
بهذه الخطة المتوازنة جدًّا بدأ البيزنطيون يتململون من البقاء في الحصار الطويل حول شيزر، خاصةً أن المدينة حصينة جدًّا، وقد يتطلب إسقاطها عدة أسابيع أو أشهر. وهكذا وصل الجيش النصراني إلى حالة من التردد وخيبة الأمل، خاصةً بعد تزايد أعداد القتلى والأسرى في جيوشهم دون نصر واضح يحققونه.
ثم إن الله - عز وجل - أراد أن يعجِّل برحيل القوات البيزنطية، وذلك عن طريق حدوث أربعة أمور في وقت متزامن، كان لها أكبر الأثر في تغيير إستراتيجية الجيوش النصرانية:
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302.
(2) النويري: نهاية الأرب 27/ 136، وابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 302.