فهرس الكتاب
ولا شك أن الانتظار لا يعني أنها فترة سكون بلا عمل، لكنها فترة إعداد وتجهيز، والهدف في آخرها واضح، وهذا الذي جعل الخطوات في هذه الفترة كلها تصبُّ في مصلحة واحدة.
ولقد رأى عماد الدين زنكي رحمه الله أن عليه أن يعمل في محورين رئيسيين:
المحور الأول: هو تمهيد أرض الجزيرة ليومٍ تُهَاجَم فيه إمارة الرها.
فأرض الجزيرة بها تجمعات تركمانية كثيرة، والأوضاع فيها غير مستقرة، والتعاون الذي بين عماد الدين زنكي وحسام الدين تمرتاش تعاون ضعيف غير مبنيٍّ إلا على خوف حسام الدين تمرتاش من قوة عماد الدين زنكي أو طمعه في عطاياه، والأحلاف التي من هذا النوع كثيرًا ما تسقط وتتهاوى عند تعارض المصالح. كما أن ركن الدولة داود وإن كان قد وعد بالقدوم على رأس خمسين ألفًا نجدةً لشيزر، إلا أنه متصلب الرأي جدًّا، وحارب عماد الدين زنكي قبل ذلك مرارًا، وله أتباع وأعوان، ولا يستبعد أبدًا أن يُحدِث مشاكل مستقبلية.
وبالنسبة لعماد الدين زنكي فإنه لا يستطيع أن يفتح الرها بينما أحوال الجزيرة مضطربة؛ لأنه لكي يتجه للرها لا بد أن يعبر الجزيرة، ولو ضغط عليه الصليبيون فلا بد أن تكون له قاعدة قوية يرجع إليها آمنًا؛ ولهذا فاستقرار الجزيرة أمرٌ حتمي لفتح الرها.
المحور الثاني: محاولة ضم مدينة دمشق.
فمدينة دمشق هي أهم مدن الشام مطلقًا، ومن أحصنهم عسكريًّا، ومن أكثرهم كثافة للسكان، ومن أغناهم ثروة في المال والسلاح، كما أنها بموقعها الإستراتيجي جدًّا تشرف على عدة محاور في غاية الأهمية؛ فهي قريبة جدًّا من عدة مدن إسلامية محتلة مثل بيروت وصيدا وعكا وطبرية، كما أنها قريبة من إمارة طرابلس، وكذلك هي في الطريق إلى بيت المقدس، وهي تشرف على الطريق بين بيت المقدس في الجنوب، وإمارات الشمال طرابلس وأنطاكية والرها؛ ولهذا فضم دمشق يعتبر خطوة كبيرة في طريق وَحْدة صلبة تهدف إلى تكوين قوة حقيقية قادرة على دَحْر الصليبيين وطردهم من بلاد المسلمين.
كان هذان المحوران هما الشغل الشاغل لعماد الدين زنكي في هذه الفترة، وقد وجَّه إليهما قوته في خلال السنوات الخمس التي أعقبت رحيل القوات البيزنطية عن أرض المسلمين.
وكما توقع عماد الدين زنكي فقد حدثت بعض المشاكل والاضطرابات من حسام الدين تمرتاش الذي لم يقنع بالمنح التي يعطيها له عماد الدين زنكي، وشعر أن عماد الدين زنكي بعد انتصاراته الكثيرة سيصبح الزعيم الأوحد، وبذلك ستضيع أحلام حسام الدين تمرتاش في الطريق؛ ولهذا قام حسام الدين تمرتاش بخطوة جريئة خطيرة، وهي التراسل مع الأمير أبي بكر نائب عماد الدين زنكي على نصيبين لتحفيزه على الانقلاب على عماد الدين زنكي، وبالفعل خرج الأمير أبو