الصفحة 366 من 390

معين الدولة أَنُر قائد الجيش [1] ، وأقوى الشخصيات المؤثِّرة في دمشق. ويؤيِّد ذلك أن معين الدين أنر نصَّب على الحكم أخًا غير شقيق لشهاب الدين محمود، وهو جمال الدين محمد بن بوري، وهو من أمٍّ أخرى غير صفوة الملك زمرد خاتون زوجة عماد الدين زنكي؛ وبذلك يضمن معين الدين أنر أن الأمور كلها تكون في يده، ويُبعِد بذلك زمرد خاتون عن التحكُّم في دمشق، ويبعد بالتالي زوجها عماد الدين زنكي عن الوصول لأسرار الحكم في دمشق. كما أن الزعيم الجديد الضعيف جدًّا جمال الدين محمد سيجعل كل الأمور في يد معين الدين أنر، وبذلك تصبح له السلطة الفعلية في دمشق.

وقد حدث لمعين الدين أنر ما يتمنى، وسلَّم له جمال الدين محمد كل مقاليد الأمور في دمشق، بل وأقطعه مدينة بعلبك المهمة، التي تسيطر على الطريق المؤدية إلى دمشق من شمالها، وهي المدينة الوحيدة الآن في شمال دمشق، والتي لم تدخل بعدُ في حكم عماد الدين زنكي، ولو سقطت أصبح الطريق مفتوحًا إلى دمشق [2] .

وصلت هذه الأخبار المزعجة إلى عماد الدين زنكي، والتي قوَّضت أحلامه في السيطرة السياسية على دمشق، وكان عماد الدين زنكي آنذاك في الموصل، وبعدها بقليل تسلَّم رسالة أخرى من حلب من زوجته زمرد خاتون تطلب منه فيها أن يتوجه إلى دمشق؛ لينتقم لمقتل ابنها شهاب الدين محمود، ويقيم الحد على قاتله [3] . وتزامن أيضًا مع وصول هذه الرسالة، وصول بهرام شاه بن بوري، وهو أخو جمال الدين محمد بن بوري زعيم دمشق الجديد [4] ، وقد وصل إلى الموصل يطلب من عماد الدين زنكي مساعدته للوصول إلى الحكم هناك على أن يكون مواليًا له!

جمَّع عماد الدين زنكي هذه النقاط إلى جوار بعضها البعض، ووجد أن عليه ألا يضيِّع وقته، فأخذ جيشه في ذي القعدة 533هـ\ يوليو 1139م وتوجه فورًا إلى دمشق!

وجد عماد الدين زنكي وهو في طريقه إلى دمشق أن حصار دمشق دون إسقاط بعلبك سيمثِّل خطورة حقيقية على جيشه؛ إذ قد يُحصر بين حامية بعلبك وجيش دمشق، وعلى ذلك فقد غيَّر عماد الدين زنكي من وجهته، واتجه إلى بعلبك حيث ضرب عليها الحصار ابتداءً من يوم 20 من ذي الحجة 533هـ، ونَصَب حولها أربعة عشر منجنيقًا، ودعا أهلها للتسليم دون قتال إلا أن أهلها رفضوا، ومن ثَمَّ بدأت المجانيق تقصف ليلَ نهار، وضرب الحصار المحكم حول المدينة وهي تقاوم، واستمر حصاره لها أكثر من أربعين يومًا متصلة، ثم سقطت المدينة أخيرًا، ودخلها عماد الدين زنكي

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 309، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 272، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص269.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 310، ويقول عنه ابن الأثير:"وصار هو الجملة والتفصيل"، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 272.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 310.

(4) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 272.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت