فهرس الكتاب
في صفر 534هـ\ أكتوبر 1139م. وبذلك استطاع عماد الدين زنكي أن يسيطر على كل المدن الشمالية التابعة لإمارة دمشق، وهي مدن بعلبك وحمص وحماة وبانياس والمجدل [1] .
ظل عماد الدين زنكي في بعلبك شهرًا كاملًا يُنظِّم أمورها الإدارية، ويُقوِّي من تحصينها بعد القصف المتوالي الذي أصابها خلال الحصار السابق، ثم أقطعها لنجم الدين أيوب (والد صلاح الدين الأيوبي) [2] .
وقبل أن يتحرك عماد الدين زنكي إلى دمشق آثر أن يحاول محاولات سلمية قبل الحصار العسكري، فعسكر بجيشه في سهل البقاع، ثم أرسل إلى جمال الدين محمد بن بوري زعيم دمشق يعرض عليه التفاهم والتعاون، فيُسلِّم دمشق إلى عماد الدين زنكي في مقابل أن يعطيه عماد الدين زنكي مدينتي حمص وبعلبك، لكن هذا العرض لم يجد قبولًا عند جمال الدين محمد ولا عند رجال حكومته، وعلى رأسهم بالطبع معين الدولة أنر، ومن ثَمَّ توجه عماد الدين زنكي بقوته العسكرية وحاصر دمشق في ربيع أول 534هـ\ نوفمبر 1139م.
كان الحصار حول دمشق محكمًا، ودارت عدة اشتباكات بين الطرفين على مدار عدة أشهر متصلة، وكاد جمال الدين محمد يقبلُ بالتسليم لولا إصرار معين الدين أنر على المقاومة، وتأزم الموقف جدًّا في داخل دمشق نتيجة الحصار الطويل، ثم حدثت مفاجأة في شعبان 534هـ\ مارس 1140م إذ تُوُفِّي جمال الدين محمد زعيم دمشق فجأةً، وحدث صراع داخلي في دمشق بين الورثة على الحكم، وكانت بوادر فرصة لعماد الدين زنكي للتدخل العسكري، إلا أن معين الدين أنر أسرع بوضع مجير الدين أبق بن محمد، وهو ابن الحاكم المُتوفَّى جمال الدين محمد. وهكذا استمرت المقاومة الدمشقية العنيفة مما أرهق عماد الدين زنكي الذي ظل محاصِرًا لدمشق حتى الآن لمدة تزيد على ستة أشهر متصلة، ومع ذلك فإنه لم يرفع الحصار آملًا في انهيار الحالة الاقتصادية للمدينة، وهذا قد يدفعهم للاستسلام [3] .
وإزاء هذا الحصار المحكم لجأ معين الدين أنر إلى وسيلة جديدة لدفع عماد الدين زنكي إلى ترك المدينة، ورفع الحصار. وكانت هذه الوسيلة في غاية البشاعة، وتُظهِر لنا بوضوح طبيعة هذا الرجل، وطبيعة الحاكم مجير الدين أبق، وكذلك طبيعة الشعب الذي تعاطف مع هذا الإجراء! لقد أرسل معين الدين أنر إلى مملكة بيت المقدس يستعين بملكها فولك الأنجوي، ويطلب منه القدوم بجيش
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 310، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 272، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص270،296، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 86.
(2) وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص271.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 313، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 273.